القذافي يتصل تلفونيا بالرئيس بوتفليقة ويتوسل إليه: "هذا خُوكْ مْعَمر طالب ضيف الله" يقف المواطن الليبي على مشارف الحدود الجزائرية، ويقول من هنا يأتي العدم... فقد مرت ستة شهور على بداية خريف العقيد معمر، لكن ثمة أيدي تمتد له من الجهة الغربية لكي لا يسقط ولا ينتهي... نتذكر حين زاره الفيلسوف الفرنسي، روجيه غارودي بدعوة منه، فقال له العقيد "إن نظريتنا ستعمر قرونا، لأنها البديل الثوري لما تعانيه الدول العربية، وإذا أردت الدليل أنظر إلى جارتنا الجزائرية التي يتعذب نظامها، لأنه لا يملك نظرية ثورية".. كان الزمن السياسي آنذاك في ليبيا ما زال يحبو على ركب العقيد، وكان أينما حل وارتحل يجاهر بفرادة نظريته الثورية.. فقال في خطاب له، "لا ينتهي العقيد القذافي قبل أن يصبح الكتاب الأخضر دستور دول شمال إفريقيا.." كان هذا أقرب إلى محنة الخيال عند العقيد، إذ أنه لم يتمكن العقيد بمكابراته الثقيلة من فرض قبول كتابه حتى بين الليبيين... وبعد سنوات، قال عبارته الشهيرة، "أنا زعيم وصاحب نظرة ثورية، لكن الشعب الليبي لا يسايرني في ثورتي، لأنه شعب كسول".. ثم راح يغرق في بارانويا إذلال الليبيين بأخلاق الغيتوهات، ويمعن في شد خيالهم إلى اليأس، وسار على هذا النحو أربعة عقود، وهو "يحكم من أجل تأجيل سقوطه"، حسب قول عبد المنعم الهوني، أحد المشاركين مع العقيد في ثورة الضباط الأحرار عام 1969.وحين ثار الشعب الليبي على القذافي قبل شهور، ولم يجد من يستنجد به في الداخل، راح يستنجد بعلاقاته القديمة مع دول إفريقية وبجارته الأثيرة الجزائر.. أول حرب يخوضها العقيد ضد شعبهمنذ أن انطلقت الاحتجاجات المطالبة بالتغيير في مدينة بنغازي بالشرق الليبي ضد نظام القذافي، في 15 فبراير، بعد أربعة أيام من إسقاط حسني مبارك، وانتشرت بسرعة في مختلف البلاد، بدأ النظام الجزائري يعتبر أن ما يجري في ليبيا، يشكل تهديدا له... ثم أطلقت صحفه الرسمية حملة إعلامية تعتبر فيها، أن ليبيا تتعرض لمؤامرة من الخارج، وأن امتداداتها تستهدف الجزائر. وعلى امتداد الأسابيع الأولى من الثورة الليبية، راهن النظام الجزائري على القذافي لإخماد صخب ثواره، وهو أقدر على ذلك، قياسا لماضيه المرعب في كبح تطلعات الليبيين وإشعال التمردات في العديد من بلدان العالم على مدى أربعين عاما، لكن إذا لم يتمكن القذافي من ذلك، فإن الثورة لابد ستصل إلى ملابس جنرالات الحكم في الجزائر... لكن الأمور لم تسر على النحو الذي أرادته الجزائر، فقد استحال القذافي إلى ظاهرة صوتية، يتوعد الثوار في خطب متتالية، بأنه سيسحقهم، أما على ساحة المواجهة، فكان يضعف ويتوارى يوما بعد يوم، ويؤكد للجزائر عكس رهاناتها، بأنه ماض في الركوع للثوار الذين استحالوا في قاموس عنترياته مجرد جرذان وكلاب وقمل، وقطط جائعة.كان القذافي الأمل المتبقي للنظام الجزائري على الجبهة الشرقية بعد ضياع زين العابدين بنعلي، وحسني مبارك، لكن القذافي وبداية من معاركه الأولى ضد الثوار أظهر على الواقع عكس ما كان يتوعد به في خطبه، فكان واجب النظام الجزائري أن لا يتركه يواجه مصير سقوطه بمفرده، بلا دعم ولا سند... وكان في اعتقاد جنرالات الجزائر، أن العقيد نموذج مختلف، يصعب الضغط عليه على نحو ما فعل ثوار تونس ببنعلي وثوار مصر بحسني مبارك، ولن يتخلى عن السلطة بسهولة، لأنه يعرف أن أي بلد في العالم لا يمكن أن يستضيفه، لاجئا أم هاربا، فهو حاكم دخل المواجهة مع الثوار، فإما أن يتمكن من الإجهاز عليهم أو يتمكنوا من التخلص منه، وليس هناك خيار آخر بين الاثنين..شمشون يهدد بحرق ليبيالم تكن الأيام الأولى للثورة كما كان يتكهن بها القذافي، فقد أبان الثوار رغبة لافتة في الذهاب أبعد من المواجهة مع قواته، ومؤكدين أن لا باب يفضي إلى إسقاط القذافي سوى محاربته والرد على وحشيته بالسلاح، خصوصا أن تسلطه سيكون أقوى، وتنكيله بالثوار سيكون أشرس، إذا فشلت الثورة، خصوصا وأن القذافي مهووس بالانتقام من معارضيه، وفي جعبته آلاف القتلى والشهداء من المعارضين. ورغم ضعف التسليح قاوم الثوار في كل مدن الشرق، وكانت انتصاراتهم في البدء ضعيفة، وتبدو كما لو أنها تتدحرج من أعلى وتذوب في رمال الصحراء، لكن القذافي بوحشيته استعمل أضعف ما لديه لمواجهة الثوار، وهو قصفهم بالطائرات، وهو السلاح الذي مكن حلف الناتو من انتزاع حق حماية الشعب الليبية من مجلس الأمن، وهذا خطأ لم يكن واردا في تقدير العقيد، فكان قصف الناتو بداية تقهقر قواته، ومواصلة زحف الثوار في اتجاه الغرب، إلى أن تمكنوا من دخول العاصمة طرابلس، وهروب العقيد ومطاردة الثوار له، وأفراد عائلته في كل المدن الليبية.فوبيا هروب القذاذفة ومن معهملم يكن واردا في ظن أحد أن قوات القذافي ستتلاشى بسهولة، وسيختفي القذافي على عكس ما كان يهدد به، وهو الذي ملأ الدنيا بتوعداته لسحق الثوار، حتى أنه أعلن في خطاب عشية استيلائهم على طرابلس، "إنهم ما زالوا محاصرين في مدينة بنغازي، وأن الساعات الأخيرة ستشهد فشلا ذريعا لهم".. وبقي يتوعد بهزيمتهم، حتى بعد دخولهم قلعة العزيزية مقر حكمه، وتوارِي القوات التابعة له في العديد من المدن الليبية..وبعد افتضاح انتقال عائلته إلى الجزائر، خطب القذافي، بأنهم واهمون، لأنه وعائلته، يوجدون في ليبيا، ويقودون "الحرب المقدسة ضد الأعداء"، لكن المؤكد أنه لم يعد في السلطة، حتى ولو بقي في أي مكان في ليبيا، وحتى لو صاح في الناس مشتعلا كأعواد الثقاب، فإن ما يفعله ليس أكثر من إعلان أخير عن حالة غياب أخير، وهي النهاية التي فزع منها النظام الجزائري.ومع أن الجزائر لم تتمكن لحد الآن من إقناع الشعب الليبي بالدوافع الإنسانية التي أملت عليها استقبال عائلة القذافي، فإنها لم تتمكن أيضا من إخفاء مجمل دوافعها لدعم ومساندة القذافي في حربه ضد الثوار، والتي فضحها قادة المجلس الانتقالي الليبي في أكثر من مناسبة وموضع، ما دفع المتحدث باسم المجلس في لندن جمعة القماطي إلى القول عبر محطة التلفزيون البريطانية سكاي نيوز، "إن الحكومة الجزائرية تصرفت بتهور وعدوانية ضد الشعب الليبي".. وسار في الاتجاه نفسه محمود الشمام وزير الإعلام في المجلس الانتقالي الليبي، الذي طالب الجزائر بتسليم أفراد عائلة القذافي إلى ليبيا.لكن تصرف الجزائر باستقبال عائلة القذافي، أتى على آخر ما تبقى من ثقة الثوار الليبيين في لحكام الجزائريين، إذ تأكد لهم أن عائلة القذافي تم استقبالها في الجزائر، بعد وصولها في قافلة من السيارات ، وتم نقلها من الحدود على متن طائرة إلى مكان آمن قرب العاصمة الجزائر. كان ذلك عشية يوم الجمعة، لكن الخارجية الجزائرية لم تعلن عن خبر وصولهم في بلاغ رسمي إلا في منتصف يوم الاثنين، وهو وقت طويل، لكنه لا يخفي ارتباك الحكومة الجزائرية، عقب ردود الفعل الدولية المستهجنة لدواعي ومبررات استقبال الجزائر لعائلة الديكتاتور الليبي. وعموما، فإن الجزائر كذبت يوم السبت، على لسان الناطق باسم وزارة خارجيتها عمار بلاني بأنه لا علم لها بدخول عائلة القذافي إلى الجزائر، معتبرا ذلك مجرد حملة تضليلية تتعرض لها بلاده، ونفى بشكل قاطع، ما ورد من معلومات حول سيارات من نوع مرسيدس زُعِم أنها عبرت الحدود الجزائرية الليبية، فيما أعادت وكالة الأنباء المصرية التي بتت الخبر، صحة ما نقلته عن مصادرها من الثوار بأن ثماني سيارات مجهزة ضد الرصاص وصلت إلى مدينة غدامس صباح الجمعة محاطة بكتيبة من الطوارق إلى أن دخلت الحدود الجزائرية.لجنرالات الجزائر حكاية أخرى لكن في يوم الأحد، حركت الحكومة الجزائرية جهاتها الإعلامية للحديث عن إمكانية استقبال الجزائر لأفراد من عائلة القذافي الأقل تورطا في المواجهة مع الثوار الليبيين، وكذا الدوافع الإنسانية التي يمكن أن تبرر إقدام الجزائر على خطوة من هذا القبيل، وأيضا لرد الجميل إلى القذافي الذي ساند النظام الجزائري خلال سنوات الاضطرابات الأمنية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي.. وكأن الأمر يتعلق بإعداد الرأي العام الجزائري لتقبل خبر استقبال حكومته لعائلة القذافي.وفي يوم الاثنين، أعلنت الخارجية الجزائرية في بلاغ لها، أنها أبلغت الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن ومحمود جبريل رئيس المجلس التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي الليبي بأمر وصول قافلة عائلة القذافي إلى الجزائر. وفي اليوم التالي قدمت جريدة "الخبر" الجزائرية القصة الكاملة لوصول عائلة القذافي للجزائر، والتي تم التستر عليها حسب الجريدة، من قبل السلطات الجزائرية، إذ ذكرت أن القافلة وصلت إلى الحدود الجزائرية، مباشرة بعد أذان المغرب، عبر ممر سري صحراوي، يستخدمه المهربون للعبور من مدينة غدامس الليبية إلى مدينة تينلكوم في الجزائر. وقد أوقف حرس الحدود السيارات الليبية التي قالت الصحيفة أن عددها أربع عشرة سيارة، عند معبر الدبداب الحدودي، وليس ثمان كما أوردت وكالة الأنباء المصرية، ولا تحمل أوراقا رسمية، ومحاطة بما يزيد عن مائة مسلح من الطوارق. وقد قطعت الطريق بين ليبيا والأراضي الجزائرية بعد مسيرة أربعة أيام، انطلاقا من مدينة سرت ، وتعرضت لكمين نصبه الثوار الليبيون عبر طريق يربط مدينة غدامس بالشمال الليبي، ويمر بمنطقة ميزدة. وقد قضى أفراد القافلة الليل في معبر الدبداب حيث تناولوا السحور، فيما نقلت السلطات الجزائرية امرأتين إحداهما عائشة ابنة القذافي الحامل في طائرة هيليكوبتر، إلى أحد المستشفيات الجزائرية، في ولاية إليزي.ألو بوتفليقة... أنا خُوك مْعمرقالت صحيفة الخبر إن سيارات رباعية الدفع في سيرها في الصحراء الليبية انقسمت إلى مجموعتين، تعرضت إحداهما لإطلاق نار كثيف على مشارف مدينة غدامس، وتبادل الحراس الطوارق النار مع الثوار، لمدة ساعتين إلى أن تراجع الثوار، بسبب ضعف أسلحتهم، ثم واصلت السيارات التقدم في اتجاه الحدود الجزائرية.وكشفت الصحيفة أن موكبا عسكريا جزائريا ضم وحدة من القوات الخاصة رافق سيارات عائلة القذافي إلى دار إقامة تابعة للناحية العسكرية الرابعة، حيث استراحت العائلة، ثم نقلت في طائرة عسكرية خاصة إلى قاعدة بوفاريك الجوية القريبة من العاصمة، في سرية تامة، إلى درجة أن مسؤولين أمنيين ومدنيين كبارا لم يعلموا بأي تفاصيل حول العملية. وأضافت صحيفة "الشروق" على هذه القصة، أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وبعد انتظار قافلة عائلة القذافي لساعات على معبر الدبداب، سمح لها بدخول الأراضي الجزائرية، خلال منتصف النهار. وأضافت الصحيفة أن لجوء عائلة القذافي المُطارَدة من قبل الثوار إلى الجزائر، فرضته القبضة التي أحكمها الثوار على الحدود الليبية مع كل من تونس وتشاد، وحتى على الحدود مع مصر، ما يعني أنه لم يبق من خيار أمام العائلة الفارة سوى الحدود الجزائرية.لا نِيف بقى لا معزة طارْتكان رد فعل الثوار على ما قامت به الجزائر، على لسان العقيد أحمد عمر باني، حادا ومباشرا، قال، "على الجزائر أن تجيب يوما عن هذا التصرف".. لكن الجزائر على لسان وزير خارجيتها مراد مدلسي، ردت على ذلك، بأنها "تلتزم الحياد في الأزمة الليبية".. وبعد ذلك بيوم، قالت الحكومة الجزائرية، أنه لا يمكن لها أن تعترف بالمجلس الثوري الانتقالي الليبي، لأنه غير منتخب من قبل الشعب الليبي، وأن شرطها للاعتراف به هو تعهد المجلس بمحاربة تنظيم القاعدة.. وخلال حضور وزير خارجيتها في باريس بمناسبة اجتماع أصدقاء ليبيا، قال إن شرط بلاده للاعتراف، حين تتكون حكومة ليبية يشارك فيها كل الأطراف الليبية.. لكن أكثر من ذلك نزلت الجزائر بثقلها الكامل في منظمة الاتحاد الإفريقي للاعتراض على اعتراف أعضاء الاتحاد بالمجلس الانتقالي الليبي، زيادة على الحملة التي قادتها الجزائر إلى جانب سوريا واليمن والسودان، للرد على مساندة الجامعة العربية على تصويت مجلس الأمن الدولي على القرار1973، القاضي بدعم عمليات قصف الناتو لقوات القذافي.. كما وجه المجلس الانتقالي الليبي، ولمرات عدة تهما حول تصرف الجزائر بعدوانية اتجاه الثورة الليبية بما في ذلك تمرير شحنات أسلحة، ونقل الوقود والمؤن لمؤازرة كتائب القذافي في الأشهر الستة الماضية والسماح لمجموعات من المرتزقة من دول جنوب الصحراء وكذا من مخيمات تيندوف، بدخول ليبيا عبر الصحراء أو على متن طائرات جزائرية أو من البحر.. لكن جل التبريرات التي ساقتها الجزائر، لاستقبال عائلة القذافي ومساندة حربه ضد الثوار، ركزت على أن القذافي لم يكن في أي يوم من أصدقاء الجزائر، كما أنه لم يوفر عليها الكثير من المشاكل التي كان يثيرها، " وأن العلاقات بينه وبينها ظلت على درجة كبيرة من سوء التفاهم منذ سبعينات القرن الماضي"، بل ذهبت الصحافة الجزائرية المحسوبة على النظام، إلى القول بأن القذافي كان وراء المشاكل التي تعيشها منطقة القبائل في الجزائر، وعلاقاته مع طوارق مالي والنيجر، كما أن جنرالات الجزائر لم يكونوا مرتاحين للعديد من تدخلاته في قضية البوليساريو، الذين يعتبرونها قضيتهم الخاصة.. إضافة إلى اتهامه بأنه كان وراء إمداد الإسلاميين الجزائريين بالأسلحة خلال حربهم ضد النظام الجزائري في تسعينيات القرن الماضي..كذب حكام الجزائر ولو صدقوالكن مجمل هذه المبررات لم تقنع المجلس الانتقالي الليبي وكذا المجتمع الدولي، بأن الصورة العدائية التي قدمتها الجزائر عن القذافي لا تخفي بأن العلاقات بينها وبينه لم تكن بالسوء الذي عرضته، خلافا للمتعارف عليه بينهما، إذ كانت تتخللها باستمرار فترات توافق وتنسيق في المواقف واستقرار وأيضا بعض التوترات الذي يتم تجاوزها، وهي الحقيقة التي دفعت بوتفليقة، الذي ينتمي إلى جيل القذافي من الحكام العرب، وعلى معرفة جيدة به، للقول في اجتماع لوزراء في حكومته بأن "الجزائر ستحترم القانون الدولي في كل القضايا التي لها علاقة بالصراع في ليبيا. وإذا حاول القذافي دخول الجزائر في ظل الحديث عن إحكام الثوار قبضتهم على المعابر الحدودية مع تونس ومصر، فإن الجزائر ستلقي القبض عليه وستسلمه إلى المحكمة الجنائية الدولية امتثالا للاتفاقيات الدولية"، فيما أكد مراد مدلسي، أن الجزائر تنتظر طلب أي دولة تريد استقبال عائلة القذافي.. كما تحدثت الصحافة الجزائرية نقلاً عن مصادر قريبة من الرئاسة الجزائرية، أن القذافي، حاول الاتصال هاتفياً بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لكن هذا الأخير رفض الرد على الاتصال، إذ أن مستشار الرئيس اعتذر من الزعيم الليبي متحججاً بأنه غائب.لكن الرئيس الجزائري، لم يكن يخفي منذ اندلاع الثورة في ليبيا تبرمه من الثوار، متهما إياهم بخدمة مصالح وأهداف أجنبية، وأنهم خلقوا وضعا أسوأ مما كانت عليه ليبيا.. وكرر مراد مدلسي الموقف نفسه، من الثوار، ومعبرا عن معارضة بلاده لحضور اللقاءات الدولية التي كانت تعقد حول ليبيا، وكذا رفضه المشاركة في مؤتمر باريس، واصفا إياه بأنه مؤتمر لتبرير التدخل الأجنبي في ليبيا، لكن الجزائر غيرت رأيها بشكل فجائي، فحضر مراد مدلسي مؤتمر باريس، وقال في كلمة ردا على تصريح وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبي حول الموقف الجزائري الملتبس من ليبيا، "إن بلاده ليس لها أي موقف ملتبس، وإنها على قناعة أن العلاقة مع ليبيا ستعود إلى ما كانت عليه من قبل"، وهو كلام أشبه بتفسير الماء بالماء، ولا يغير من جوهر الموقف الجزائري السابق من ليبيا، لكن بعض المدافعين عن التوجه الجزائري المعادي للثورة الليبية، ذهبوا أبعد كثيرا من ذلك، مثل محي الدين عميمور مستشار الرئيس السابق الهواري بومدين، الذي قال في تصريح لقناة الجزيرة، إن"الجزائر استضافت بعض أفراد عائلة القذافي من منطلق إنساني، إنه النيف الجزائري لمن لا يعرفه"، لكن صحافي القناة، قال له، بأن الموقف الجزائري لم يكن ملائما مع تصرفات جزائرية سابقة، من قبيل دعم الجزائر للقذافي بالسلاح والمال، فما كان من عميمور إلا أن نفى ذلك، وقال، لو كان هذا صحيح، لكان أول من اعترض عليه.. النار تصل إلى لباس جنرالات الجزائر كان طبيعيا أن يتصرف حكام الجزائر على النحو الذي تصرفوا به منذ اندلاع الثورة الليبية، فقد رفضوا تغيير النظام الليبي وسقوط العقيد، لأن ذلك سيعطي سندا ضافيا لتحركات واحتجاجات الشعب الجزائري، ويبعث في الشعب الجزائري رهانات التغيير، بعد سقوط نظام بنعلي في تونس، وسقوط الرئيس حسني مبارك في مصر، واعتراف العديد من الدول الكبرى بالمجلس الانتقالي الليبي، وكذا اعتراف المغرب به وانخراطه منذ بداية الثورة إلى جانب الثوار.. علما أن أكبر هواجس النظام الجزائري، هو الإبقاء على الشارع الجزائري في حالة تأزيم، وعدم تمكينه من قياسه وضعه بأوضاع الدول العربية الثائرة، أو التي غيرت الثورة أنظمتها السياسية. إن إسهام الانتفاضات الشعبية في إسقاط ثلاث ديكتاتوريات عسكرية بوليسية في كل من تونس، ومصر، وليبيا، ليس بالأمر السهل ولا العابر الذي لن يترك أثره على الشعب الجزائري، وهذا مبرر ضاف للسلطات الجزائرية للتعبير منذ البداية عن خوفها من حصول ثورة مماثلة في الجزائر، سيما وأن شروط اندلاع الثورة من تفاقم البطالة واحتدام الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشعب الجزائري، وحرمانه من عائدات الثروة النفطية الكبيرة، والاغتناء المريب للطبقة السياسية الحاكمة، يشكل شاغل الجزائريين. إلا أن ما زاد أكثر من مخاوف حكام قصر المرداية في الجزائر، خوفهم من فراغ السلطة في البلاد، أن الرئيس بوتفليقة أصبح شبه غائب، بسبب المرض والشيخوخة، إضافة إلى أن النظام الجزائري يصعب عليه مباشرة التغيير الديمقراطي في بلاده، لأن أي تغيير كيفما كان منسوبه ودرجته ونوعيته، وفي الظروف التي تعاني منها البلاد، يعني انهيار نظام سياسي بأكمله، وأخيرا اعتبار النظام الجزائري في وضعية المحاصر بعد وجود قوات الناتو في ليبيا، والجيش الفرنسي في موريتانيا، مما سيؤدي لا محالة إلى تغيير التوازنات في المنطقة، وهذا أمر غير مقبول. إعداد: مصطفى الزارعي