غياب الزعيم يربك قواعد التنظيم الإرهابي ومحللون يتوقعون ضربات محدودة وعشوائية لحفظ الكرامة «غيم.إز أوفر»، هكذا «زف» وليام ماكريفن، الأدميرال المشرف على عملية «سيلرز» الخاصة في باكستان، خبر مقتل أسامة بن لادن إلى الرئيس الأمريكي الذي كان يتعقب كراته الصغيرة بين حفر الغولف الرئاسي بالبيت الأبيض. وقبل أن يغلق المسؤولان سماعة الهاتف، كانت السطور الأولى تسقط تباعا على صفحة جديدة من تاريخ الإرهاب الدولي في العالم، أهم جملة فيها: مصير أهم وأخطر تنظيم إرهابي بعد مصرع زعيمه ومؤسسه الحقيقي ورمزه.إنه السؤال الذي لازال يؤرق الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في العالم في الذكرى العاشرة لهجمات 11 شتنبر، ويأخذ «مشروعيته» من طبيعة تنظيم القاعدة نفسه باعتباره ليس تنظيما هيكليا ومركزيا له قيادة ومؤسسات مركزية تتحكم في كل مفاصل التنظيم وفروعه، بل هو تنظيم «هلامي» يتشكل من خلايا وتنظيمات فرعية، محلية أو إقليمية، لها شبه استقلالية في التنظيم والاستقطاب والتخطيط وتنفيذ العمليات الإرهابية. لذا فالعلاقة التي تربط التنظيم الأم بالفروع والخلايا هي علاقة موالاة وبيعة تترك لها كل الحرية في التصرف وفق المعطيات الميدانية حسب كل دولة.تنظيم هلاميإن هذه الخاصية التنظيمية، يقول سعيد لحكل، الباحث في القضايا الإسلامية، تجعل وجود هذه الفروع والخلايا لا يتوقف على الدعم المباشر من المركز ولا حتى الإجازة لها. فكثير من هذه الفروع تشكلت خارج تنظيم القاعدة ثم أعلنت ولاءها له، كما هو حال تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي غير اسمه من الجماعة السلفية للدعوة والقتال وأعلن ولاءه لأسامة بن لادن سنة 2007.ويعتقد لكحل أن استمرارية هذه الفروع تظل مشروطة بقدراتها الذاتية على الاستقطاب والتجنيد والتخطيط للعمليات الإجرامية. وفي هذه الحالة لن يتأثر نشاط هذه الفروع والخلايا الإرهابية بمقتل ابن لادن، بل قد تصعد من نشاطها انتقاما لمقتله.ضبابية الموقف الأمريكيفي الصدد نفسه، يمكن الحديث عن الموقف الأمريكي الحريص على تأكيد استمرارية التنظيم خدمة لمصالح وأهداف أمريكية بحتة، أو على الأقل إشاعة نوع من الضبابية قصد توظيف المعطيات الجديدة بما يسمح باستخدام شبح»القاعدة» خطرا قائما في المرحلة المقبلة.ويمكن تلمس إرهاصات هذا الموقف في قطع حبل الآمال في أن يشهد العالم مرحلة جديدة من الاستقرار. ويعكس هذا التوجه تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية التي أشارت إلى أن المعركة ضد تنظيم القاعدة لم تنته بمقتل زعيمها، مؤكدة، كلما أثير موضوع الإرهاب الدولي، مواصلة الحرب الكونية ضد حركة طالبان في أفغانستان. هناك أيضا التحذير الذي أصدره ليون بانيتا، مدير المخابرات المركزية الأمريكية من أن «الإرهابيين» سيحاولون بالتأكيد الانتقام لمقتل ابن لادن.وجهة النظر نفسها دافع عنها جورج بوش، الرئيس السابق، في رسالته التيوجهها لأوباما قال فيها إن «الحرب على الإرهاب ستتواصل»، وهو الموقف الذي أكد عليه ويليام هيج، وزير الخارجية البريطانية، الذي حذر من أن مقتلبن لادن لا يعني انقضاء خطر الإرهاب.ثلاثة اتجاهاتخارج طبيعة التنظيم الهلامية والموقف الأمريكي من مرحلة ما بعد ابن لادن، يمكن تصنيف أهم التحليلات التي رافقت سؤال «مصير القاعدة بعد مقتل زعيمها» في ثلاثة أساسية.- الاتجاه الأول يذهب إلى تأكيد انتهاء حقبة القاعدة في الإستراتيجية العالمية، وأن اغتيال الأب الروحي سطر نهاية لهذا التنظيم الشبكي العنكبوتي العالمي، وأطاح باستراتيجيته التي تشكلت مع القاعدة، أو على الأقل أحدث ثقبا فيها، وهذا يعني أن حقبة ظهور الإرهاب قطبا ثانيا في النظام الدولي ولت إلى غير رجعة، ومعها يتوقع انتهاء الحقبة الأمنية والاستخباراتية في النظام الدولي، وما يليها من تغير استراتيجيات الأمن القومي والعقائد الدفاعية والعسكرية لأمريكا، وتلاشي، تدريجيا، مفاهيم مثل الحرب علي الإرهاب ومحور الشر، ومختلف منتجات ما بعد 11 شتنبر.- الاتجاه الثاني يؤكد على استمرار القاعدة باعتبارها فكرة وايديولوجيا قبل أن تكون تنظيما حركيا. وكما لم تنته الشيوعية بسقوط صرح الاتحاد السوفياتي العملاق، من وجهة نظر هذا الاتجاه، فكذلك لن تموت القاعدة بتصفية زعيمها ابن لادن، وقد تستمر تجربة نموذجية لتيارات الرفض المقاوم والنضالي ضد الغرب في العالم الإسلامي وتتماهي مع حالة الأمة من حيث القوة، أو الضعف. - وعلى خلاف الاتجاهين السابقين، يتوقع المذهب الثالث استمرار المواجهات بين الولايات المتحدة والقاعدة والمنظمات المماثلة في العالم الإسلامي على مدى حقبة زمنية ممتدة، تتحكم فيها التطورات الميدانية، وتتراجع فيها الرؤى الأيديولوجية ومقولات المواجهة بين الطرفين في الإستراتيجية العالمية، لحساب مواجهات أقل شأنا، إذ من المقرر ألا تختفي عمليات القاعدة، لكن قد تتسم بالعشوائية والمحدودية في تأثيراتها وفعاليتها، يكون وراء تنفيذها، مثلا، تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، أو قاعدة المغرب الإسلامي، أو شبكات القاعدة في جنوب شرق آسيا. ما العمل؟وانسجاما مع جزء من هذا التحليل الأخير، يعتقد الباحث سعيد لكحل، أن ما ينبغي المراهنة عليه اليوم، اعتماد مقاربة شاملة تخص أساسا :ــ الجانب الأمني، بمعنى تتبع ورصد الخلايا والعناصر الإرهابية بهدف توجيه ضربات استباقية لها، ما يقتضي تنسيقا استخباراتيا وأمنيا بين الأجهزة الأمنية في كل دول العالم.ــ الجانب الفكري والعقدي، بالتركيز على مناقشة العقائد الضالة والمنحرفة وبيان خطئها والرد عليها بالكشف عن الشبهات والأباطيل لتصحيح المعتقد وتحصين العقول. وهذا يتطلب مجهودا دؤوبا تنخرط فيه القطاعات الحكومية المعنية أساسا بالتعليم والدين والثقافة والإعلام. ــ الجانب الاقتصادي والاجتماعي، بما يساهم في محاربة التهميش والبطالة والفقر حتى لا يستغل الإرهابيون هذه الظروف لاستقطاب الضحايا وتجنيدهم في تنفيذ أفعال إجرامية جديدة.