أخطاء قاتلة عجلت بأفول نجم الحركة لم يخلف الشباب المغربي موعد الربيع العربي، فصنعوا لأنفسهم عنوانا وتاريخا ومحطات نضال، وبوصلة أهداف ظلت واضحة إلى حين، تطالب بتوسيع هامش الحريات وإقرار الحق في الكرامة والمساواة في مغرب لكل أبنائه، ومحاربة الفساد والمفسدين وتجار الذمم عبر دستوري ديمقراطي متشاور عليه. وعلى امتداد ثمانية أشهر، ظلت حركة 20 فبراير والدولة تقدمان النموذج الحضاري الأمثل على استمرار ثنائية السلطة والسلطة المضادة التي لا تستقيم دونها أي ديمقراطية حقيقية في العالم، ولم يصدر عن الدولة، خارج بعض الاحتكاكات المحدودة، ما يفيد نيتها قمع التظاهر السلمي وحرية الاحتجاج والتعبير في الشارع العام، قبل أن يظهر، في المسار العام للأحداث، ما يشبه الردة على ما يمكن أن نسميه اتفاقا ضمنيا للتعايش بين الطرفين، ظلت تعززه إشارات متبادلة من جهة الشارع (تحديد أرضية واضحة للمطالب والشعارات، التماهي مع شعار "سلمية سلمية لا موس لا جنوية"، عدم المساس بالثوابت الأساسية، الدفاع عن حرمة المؤسسات والممتلكات العمومية والخاصة)، ومن جانب الدولة عبر الاستجابة الفورية لبعض المطالب في خطاب ملكي أقر مراجعة دستورية شاملة وتعهدا بمواصلة مسلسل الإصلاحات.في مرحلة لاحقة، بدا أن تقويض أسس هذا الاتفاق الضمني كان نقطة في جدول أعمال أطراف من داخل الحركة أو خارجها أو من الملتحقين بها، كان هدفها إرغام الحركة والدولة معا على إنهاء مرحلة التعايش السلمي والدخول إلى مرحلة المواجهة التي لن تخدم في الأخير سوى عناصر تريد تنظيف الشوارع بدماء المغاربة (إحالة إلى أستاذ التربية الإسلامية الذي أغاضه توجه الشباب إلى تنظيم حملة نظافة فهددهم بحرب دماء)، أو تحقيقا لنبوءة مؤجلة في قومة خلافية قادمة، ما انتبه إليه نشطاء من الحركة أنفسهم دقوا ناقوس الخطر أكثر من مرة، ومنهم من أعلن مراجعة شاملة في علاقته بهذه الأطراف، أو قدم استقالته من الدينامية برمتها إلى حين تأسيس إطارات أخرى أكثر وضوحا على مستوى المرجعية، كما على مستوى المـــــــطالب والأهداف والأفق. وحسب عدد من المتتبعين، يمكن حصر بعض أخطاء حركة 20 فبراير التي وقعت فيها قصدا، أو دون قصد، أولا في التماهي، في بعض اللحظات، مع مطالب السلفية الجهادية وأجندتها التي أغوت الحركة بنزهة غير مضمونة العواقب قرب مقر الديستي بتمارة، ما قابلته الأجهزة الأمنية بحملة تعنيف، وإن كانت الدولة اقتنعت، فيما بعد، بفتح أبواب هذا المركز للتفتيش في وجه البرلمانيين والمجلس الوطني لحقوق الإنـــسان.إضافة، إلى مبادرات متسرعة من هذا القبيل، ساهم "هروب" القيادات الشبيبية اليسارية والحقوقية وتواريها خلف المشهد في فسح المجال إلى رموز الجماعات الأصولية ومتشدديها لاحتلال الصفوف الأمامية، ما أحرج الدولة والحركة معا، زد على ذلك لحظات الفلتان المتكررة في الخطاب الاحتجاجي والانزياح عن الأرضية التأسيسية والتغيير الذي طرأ على لغة الشعارات والمطالب التي بدأت تنحو رويدا إلى ما يمكن أن يُستشف منه مطلبا بتغيير شكل الدولة وليس إصلاحها فــــحسب.من الأخطاء القاتلة أيضا، إحداث تغيير استراتيجي في مواقع الاحتجاج والتظاهر، إذ انتقلت من الساحات والفضاءات العمومية إلى عمق الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان، دون تقدير الكلفة الأمنية لهذا الاختيار، ودون قراءة جيدة لردود فعل المواطنين الذين تحولوا إلى "أعداء" للحركة بدل قواعدها الخلفية، وقد تطور الأمر إلى مواجهات بين "شباب" و"شباب" تحولت فيه أجهزة الأمن/الدولة إلى حكم. بموازاة، ذلك، انتقلت الحركة، تدريجيا، من خطاب ديمقراطي وحداثي يقبل الاختلاف والحوار والجدل والانتقاد، إلى خطاب متصلب وديماغوجي واستئصالي وتكفيري في بعض الأحيان، إما أن تكون معنا، أو الطوفان، ما ظهر في عدد من المحطات فقد فيها "الشباب" أعصابهم سواء في اجتماعات داخلية (الاعتداء على منتمين للحركة أمام مقر حزب اليسار الاشتراكي الموحد بعد منعهم من الدخول)، أو في لحظات نقاش مع مواطنين لا يحملون، بالضرورة، الأفكار نفسها. يوسف الساكت