زنازين مكتظة وظروف قاسية بجناح الأحداث اعتراف بالخطأ، شعور بالذنب، اللهفة إلى الحرية ومعانقة الأهل والأصدقاء... هي جملة من الأحاسيس المشتركة، التي عبر عنها عدد من نزلاء ونزيلات السجن المحلي "ساتفيلاج" بطنجة، الذين التقت بهم "الصباح"، وهي تقوم بزيارة ميدانية لهذه المؤسسة، لاكتشاف عالم فريد له قواعده وقوانينه، والوقوف على تفاصيل خاصة بنزلاء حتمت عليهم الظروف العيش وراء أسوار عالية وأبواب حديدية موصدة . "ساتفيلاج" مشاهد تتكرر كل صباحكانت الساعة تشير إلى منتصف النهار.تجمعات بشرية هنا وهناك، نسوة يقفن في طوابير طويلة خلف أبواب حديدية ينتظرن بلهفة موعد الدخول، بعضهن تحملن مشاق السفر، وهن حاملات أمتعة لأبنائهن أو أقربائهن، بينما هناك أخريات، يبدو أنهن من ذوات الجاه والنفوذ، فضلن الانتظار داخل سياراتهن إلى حين أن تأتيهن الإشارة من بعيد، ليتكدس بعد ذلك الجميع في ممر ضيق تتم فيه عملية المراقبة والتفتيش، قبل أن يسمح لهن بزيارة لا تدوم في كثير من المناسبات أزيد من ثلاثين دقيقة.إنها مشاهد تتكرر كل صباح، بوجوه مختلفة وقصص متناقضة ومؤثرة تؤكد أن كل عقوبة لا يؤديها السجناء لوحدهم، بل تتقاسمها معهم أسرهم وعائلاتهم، التي لا تدخر جهدا في توفير كل المستلزمات الضرورية، من مال وطعام وملابس، وكذا بعض الممنوعات، وتلتزم بالحضور أسبوعيا من مناطق ومدن شتى، حتى وإن كانت العقوبة طويلة الأمد. فبمجرد عبورك الباب الرئيس للسجن، تقابلك مكاتب إدارية يتوسطها مكتب المدير، وكلها تطل على فناء فسيح يستغل في غالب الأوقات كموقف لسيارات الخدمة، التي يستقبلها السجن بين الفينة والأخرى، إذ صادف وجودنا وصول سيارة للشرطة كانت تقل على متنها شخصين لا يتعدى أعمارهما 30 سنة، قيل لنا إنهما التحقا بالسجن بأمر من وكيل الملك، الذي أمر بإيداعهما الحبس المؤقت بتهمة الاتجار وحيازة المخدرات في انتظار محاكمتهما. جناح الأحداث... ظروف قاسية وأعراض مزمنةبعد أن استقبلنا مدير المؤسسة، حسن الزهر، وهو حديث العهد بهذه المهمة، كانت وجهتنا الأولى جناح الأحداث، الذي يضم 168 طفلا تتراوح أعمارهم بين 14 و18 سنة، وجلهم متورطون في قضايا الضرب والجرح والسرقة وحيازة المخدرات، وهي قضايا تتكرر بنسبة 98 بالمائة، إذ وجدناهم في الساحة، البعض منهم يلعب الكرة والبعض الآخر يتفرج، أغلبيتهم تحفظوا لمجيئنا إلا واحدا منهم يدعى عادل، أخذ يقترب منا شيئا فشيئا وكأنه يريد أن يفتح قلبه لنا. وبمجرد أن تحدثنا معه لاحظنا أن عينيه تعبران عن حالته النفسية المتأثرة بمشاكله الاجتماعية والعائلية...لم يتجاوز عادل الـ 16 ربيعا، دخل إلى السجن منذ شهرين تقريبا بتهمة الضرب والجرح باستعمال السلاح الأبيض، وهو حاليا رهن الاعتقال الاحتياطي في انتظار أن تتم محاكمته. اقتربنا منه وسألناه عن سبب حزنه، فقال "أنا قلق جدا لأن أهلي لم يأتوا لزيارتي منذ أن دخلت إلى هنا، باستثناء أخي الذي كان يزورني بين فينة وأخرى، إلا أنه توقف أخيرا عن زيارتي وانقطعت الأخبار عن عائلتي، التي تعيش هي الأخرى مشاكل عميقة، وهو ما يجعلني متوترا وقلقا طيلة هذه الأيام".المسؤول عن الجناح أكد أن أغلبية الأحداث يكون سلوكهم في البداية غير عاد ولا يتأقلمون مع المحيط بسرعة، غير أن المؤسسة تخصص لهم أطباء نفسانيين وتنظم لفائدتهم دورات رياضية وألعابا فنية وترفيهية ذات أهداف تربوية وتحسيسية لإعادة إدماجهم وإبعادهم عن الجريمة.وأكد آباء وأولياء عدد من المعتقلين أن أبناءهم يعانون ظروف اعتقال صعبة للغاية نتيجة الاكتظاظ الذي يعرفه جناح الأطفال، وكذا نقص الطعام وعدم توفر وسائل الترفيه والتسلية، بالإضافة إلى انعدام الرعاية الصحية والحرمان من الحق في التعلم، مؤكدين لـ "الصباح" أن انقطاعهم المفاجئ عن العالم الخارجي، لا يؤثر فقط على فترة وجودهم في السجن، بل يتعداها لمرحلة ما بعد الاعتقال، إذ يصاب أغلبهم بأعراض أهمها الخوف والقلق والتوتر وعدم القدرة على التركيز وضبط الانفعال...غرف وزنازين مكتظة مباشرة بعد ذلك، انتقلنا إلى الأحياء المخصصة للرجال، التي يبلغ عددها ثمانية وتضم حوالي 2370 سجينا، من بينهم 346 أجنبيا ينتمون إلى جنسيات مختلفة في مقدمتها إسبانيا وفرنسا، فوجدنا بها حركة دؤوبة وطوابير من النزلاء أغلبهم ينتظر بلهفة استلام "القفة" التي أحضرها لهم أهاليهم، إذ وأنت تعبر الممرات تلاحظ أن النظافة سمة عامة وحالة الانضباط سائدة بين جميع السجناء، الذين يستقبلونك بابتسامات خجولة وتبدو عليهم علامات الندم والحسرة على سنوات ضاعت من عمرهم بين القضبان. تنقلنا بين أحياء لا تفصلها عن بعضها إلا أبواب حديدية لابد من فتحها للدخول، وزرنا غرفا وزنازين مكتظة للغاية لا فرق فيها بين الموقوف والمستأنف والمحكوم عليه بالإعدام، إذ ذكر أحدهم أن كل غرفة ينام فيها أزيد من 40 سجينا، في الوقت الذي لا تسع طاقتها الاستيعابية سوى لعشرين شخصا، مؤكدا أن عددا من النزلاء يجلسون الأرض مباشرة، ويعرقلون بذلك حركة المرور إلى المرحاض ليلا، ما يسبب في اصطدامات واشتباكات تفضي في بعض الأحيان إلى معارك خطيرة يستعمل فيها السلاح الأبيض.وعن أجواء رمضان في السجن، أجمع عدد من السجناء ممن قضوا أكثر من خمس سنوات، على أنها عادية وعرفت تحسنا كبيرا مقارنة بالسنوات الأولى لهم بهذا السجن، مؤكدين أنهم يستغلون هذا الشهر الفضيل لإعلان توبتهم وتحسين سلوكهم علهم يستفيدون من تخفيف العقوبة والخروج من السجن في أقرب الآجال.المطبخ... حركة دؤوبة لتحضير الوجباتوجهتنا الثالثة كانت المطبخ، وهو عبارة عن غرفتين كبيرتين ذات أسقف مرتفعة، الأولى خاصة بالتخزين والثانية بالطبخ والتوزيع، حيث كانت هناك حركة دؤوبة لتحضير وجبة رمضان، المتمثلة في طبق من الحريرة والتمر والجبن والبيض والحليب، بالإضافة إلى وجبة ثانية أهم مكوناتها الخبز واللحم والخضر الطرية، التي يعمل على تحضيرها سجناء مؤهلون يشرف عليهم موظفون حاصلون على شهادات في الطبخ المغربي، بينما تتكفل فرقة أخرى من السجناء بالتنظيف وتوزيع الوجبات عبر الأحياء.وذكر كمال المعروفي، رئيس لجنة التفتيش التابعة للمندوبية العامة لإدارة السجون، التي كانت تقوم هي الأخرى بزيارة ميدانية في إطار مراقبة الجودة وتوزيع الوجبات الغذائية، أن السجن المحلي بطنجة عرف تحسنا كبيرا في مجالات متعددة، خصوصا ما يتعلق بالنظافة والتغذية، التي عرفت تحسنا سواء من حيث الجودة أو الكمية، سيما أن المندوبية عملت أخيرا على رفع الميزانية بأزيد من 60 في المائة، وانتقل الاعتماد المخصص لكل سجين من 6 دراهم إلى 15 درهما.وقال المعروفي لـ "الصباح" إنه "رغم المجهودات التي تبذل من طرف الإدارة الجديدة، لا يمكن القول إن سجن طنجة وصل إلى المستوى المطلوب، لأن هناك مجالات يجب العمل على تحسينها أكثر، فاللجنة سوف تنجز تقريرا عن الوضعية بصفة عامة، سيما الأمور التي تتعلق بالنظافة وجودة الوجبات الغذائية المقدمة للنزلاء، وستضعه رهن إشارة المسؤولين عن هذا القطاع لاتخاذ الإجراءات والتدابير المناسبة. حي النساء... منطقة محرمة على الرجالحي النساء، حياة أخرى ومجتمع آخر يخضع لقاعدة خاصة تحظى فيها السجينات بامتيازات متعددة مقارنة بالرجال، وحسب ما ذكره مدير المؤسسة، فإنه الأقل اكتظاظا مقارنة مع الأحياء الأخرى، إذ لا يتعدى عدد النزيلات به 90 سجينة، منهن 41 أجنبية محكوم على أغلبهن بتهم التهريب الدولي للمخدرات، بالإضافة إلى أن الإدارة تتيح لهن إمكانية الولوج إلى خدمات عدة مثل التكوين المهني باختصاصاته المتعددة كالخياطة والحلاقة... وذلك لتأهيلهن حتى يخرجن إلى الحياة بشكل طبيعي، وهن يملكن شيئا قد يفيد للعيش في حياة جديدة وكريمة.ويتكون حي النساء، الذي يخضع لتنظيم تراتبي معقد وصارم، من غرف وعنابر ومشاغل وساحة للاستراحة، بالإضافة إلى مطبخ نموذجي مجهزة بمعدات طبخ وأجهزة كهربائية، إلا أن ذلك، لا يمنع من وجود بعض الظواهر التي لا توجد عند الرجال، إذ تؤكد كل المعطيات، أن حدة الابتزاز والرشوة تشتد خلف قضبان هذا الحي، كما أن بيع السجائر بالتقسيط والاتجار في المواد الغذائية والمكالمات الهاتفية ينتشران بصورة مقلقة للغاية.برامج للتكوين وإعادة إدماج السجناءيتوفر "ساتفيلاج" على مركز للتكوين المهني، الذي أحدث في إطار مشروع مندمج لتأهيل وإعادة إدماج السجناء، ويشمل سبعة تخصصات هي: النجارة والخياطة والحلاقة وكهرباء البناء والترصيص الصحي والجبص، بالإضافة إلى الصيانة في مجال المعلوميات، ويتم تفعيله بشراكة بين كل من مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء والمندوبية العامة لإدارة السجون ووزارات التشغيل والتكوين المهني والتربية الوطنية والفلاحة والصحة والصناعة التقليدية والثقافة والشباب والرياضة وكذا مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل. كما تتوفر المؤسسة على قاعة متعددة الاختصاصات، مفتوحة في وجه عدد من المؤسسات الحكومية والهيآت وجمعيات المجتمع المدني، التي تعمل، في إطار تشاركي، على تقديم شتى أشكال المساعدة والدعم المادي والمعنوي عبر أنشطة وبرامج دينية واجتماعية وثقافية وتربوية ورياضية ذات أهداف تكوينية تساعد السجين على إبراز مواهبه وإبداعاته.وعرف شهر رمضان المبارك مجموعة من البرامج لملء أوقات فراغ النزيلات والنزلاء، وشملت أنشطة ثقافية وحصصا للتوعية والتحسيس من أجل تربيتهم على روح المواطنة الحقة، وذلك بتنسيق مع المندوبية السامية لقدماء المحاربين وأعضاء جيش التحرير. كما قام المجلس العلمي بعمالة طنجة أصيلة بإلقاء دروس ومحاضرات دينية، بالإضافة إلى تنظيم دوري في كرة القدم المصغرة لفائدة الأحداث والراشدين بهدف خلق انسجام بين مختلف الفئات العمرية من جهة، وتربيتهم على القيام بأنشطة رياضية تمكنهم من الحفاظ على لياقتهم البدنية والعناية بصحتهم من جهة أخرى. إنجاز: المختار الرمشي (طنجة)