فاطمة: هكذا وصلت إلى دار العجزة «كل ما لعبتو المعزة فقرون الجبال كتخلصو فدار الدباغ»، و"الأيام بدالة ودوارة» و"كوليني يا موكة حتى الطيور عافوني»، هي أمثلة شعبية مغربية، تنطبق على الكثير من المغاربة وجدوا أنفسهم بدور العجزة ينتظرون لحظة تجمعهم بعائلاتهم، وآخرين ينتظرون اللحظة التي يغادرون فيها حياة أعطتهم الكثير وحرمتهم من المهم في سن يحتاجون فيه إلى جرعة حنان وبسمة أمان. ينتظرون هناك، وكلهم أمل في أن يأتي من يخرجهم وينقذهم من الحزن وألم الوحدة، لكن لا حياة لمن ينادون. «الصباح» ترصد قصصا لأناس هرموا من أجل لحظة تجمعهم بأطفالهم. رغم أن سنها لا يتعدى الستين، السن القانوني للاستفادة من خدمات دور المسنين فإنها من نزلاء دار العجزة بعين الشق بالدار البيضاء. تقول فاطمة إنها لم تتوقع قط أن يكون نهاية مصيرها ذلك المكان، وهي التي تعبت كثيرا، إلا أنها اليوم أضحت فيلدار ليست دارها، حبيسة دموع لا تفارقها وأحزان تسكنها.معاناة فاطمة مضاعفة، بسبب تخلي من اهتمت بهم، إلى جانب معاناتها مع مرض السكري المزمن، الذي جعلها تجوب المستشفيات وتتنقل من عيادة إلى أخرى ومن مستوصف إلى آخر من أجل العلاج.تقول فاطمة، رغم أن الدمع لم يدعها تعبر عن ما تعانيه وما تحسه، إنها كانت تعمل عند عائلة ميسورة، ربت أطفالها، وحرصت على راحتها، وفي الوقت ذاته كانت تزور عائلة أخرى، قالت إنها ربتها واعتنت بها بعد أن انتقلت للعيش معها منذ الصغر. "كنت أعتقد أن لدي 3 عائلات، عائلة ولدتني، وعائلة ربتني، وعائلة اهتمت بي مقابل أن أخدمها وأربي أطفالها، لكن الواقع غير ذلك".تفاصيل كثيرة أرادت فاطمة أن تحكيها، لكنها عجزت، لأسباب كثيرة ومتعددة. فمن أين ستبدأ وكيف يمكنها أن تصف حالتها الصحية؟ وكيف لها أن تقول كل شيء في دقائق فقط؟ لكنها أخيرا اختصرت القصة، وقالت "مللي مرضت لاحوني".في جملة واحدة اختصرت كل شيء، وفي الجملة ذاتها قالت كل شي، وسطرت على عدد من النقط، كيف ل3 عائلات على حد قولها، أن تتخلى عنها، في الوقت الذي أصبحت في أمس الحاجة إليهم، ونسوا أنها كانت تخدمهم وتتعب من أجلهم، وأنها امرأة من حقها أن تتزوج وأن تكون لها عائلة هي الأخرى. أكدت في جملتها، أن المرء يحتاج إلى أغلى من المال والبنون، يحتاج إلى الصحة. قالت في الجملة ذاتها، إن أكثر من نعتقد أنهم مقربون منا، من الممكن أن يتخلوا عنا بعد أن يفقد المرء أهم شيء عنده "صحتهم"."اكتشفت أنني أعاني مرض السكري، فنصحني الطبيب بأن أتابع حمية خاصة، لكنني لم أبال بالأمر، فكانت النتيجة أن صحتي تدهورت وأصبحت عاجزة حتى عن الاهتمام بنفسي". وتضيف المرأة بصوت يملؤه الحزن وتغطيه الدموع، أن ما كان لها سوى اللجوء إلى دار العجزة.المرأة لا تلوم العائلة الثالثة، لأنها حسب قولها، فعلت ما في جهدها من أجل أن تشفى فاطمة وأنها عرضتها على أطباء أخصائيين لمساعدتها، إلا أنها وبحكم عدة عوامل لم تستطع أن تكمل المشوار وتركتها لوحدها، قبل أن تأتي بها الرياح إلى دار العجزة. ولا تلوم العائلة التي رمتها بباب العائلة الثالثة، نظرا لأنها لا تملك الإمكانيات لرعايتها، ولا تلوم أيضا العائلة التي أنجبتها، لأنها تخلت عنها قبل أن يتخلى عنها الجميع، لكنها تلوم الحياة لأنها بخلت عليها، ولم تعلمها أن الصحة تاج فوق رؤوس الأشخاص. وأن خدمة الآخرين يجب أن تكون في الرتبة الثانية، وخدمة النفس والصحة تتصدر القائمة. لكنها، وكما قالت "اليوم لا ينفعها الندم".تمسك بيدها ورجليها، وتارة أخرى تمسك برأسها وكتفيها، لا تدري كيف يمكنها أن تصف الآلام التي تشعر بها، ولا الأحزان التي تسكن قلبها، تجوب غرف دار العجزة والكآبة بادية على وجهها الدائري الأبيض، لا تقوى على مواجهة الدموع، وبمجرد أن يسألها أحدهم عن أحوالها تبدأ بالبكاء، الكل يستطيع أن يرى دموعها، والقليل فقط يقوى على توقيف تلك الدموع.«أش غادي نقول راه كلشي باين، مكرفصة ومريضة، وحتى حد من عائلتي ما وقف معايا، لاحوني وخلاوني في الصبيطار، مللي خرجت ما لقيت فين نمشي". وتضيف المرأة "عيطوا لأختي قالوا ليها راني في صبيطار ما جاتش عندي وما سولاتش فيا". إيمان رضيف