ملف الصباح

رمضان… شهر الصيام والإنفاق

يستهدف جيوب المواطنين بمتطلباته وعائلات تحاول تدبير مصاريفه شهورا قبل حلوله

“صيام شهر واحد، تدبيرو عام”، تلخص جميلة (40 عاما) معاناة الأسر المغربية مع رمضان وما يتطلبه من مصاريف تجهز على مدخرات العائلات الميسورة، فما بالك بعائلات فقيرة لا تجد ما تسد به رمق جوعها في باقي أيام السنة، فكيف في شهر يشهر مغرياته ويستهدف جيوب المواطنين بما لذ وطاب من مأكل ومشرب واقتناء ملابس تقليدية أصبحت تعد حجر الزاوية خلال الشهر الفضيل. فالحديث عن شهر الصيام والقيام، يعني للمواطن البسيط مصاريف إضافية تثقل كاهله وكاهل أسرته يجب عليه تدبرها، خاصة مع تنامي بعض العادات الجديدة للأسرة المغربية في نوعية الأكل، فالمغربي يشتري في هذا الشهر الفضيل ما يحتاجه وما لا يحتاجه، “كما أن رمضان هذا العام تزامن مع فصل الصيف، وبالتالي أصبحت الفرصة متاحة للاستمتاع أكثر بليالي رمضان، وقضائها في السهر بالفضاءات العمومية، إما رفقة الأصدقاء أو الأهل، وذلك يعني فرصة إضافية للإنفاق أكثر”، تقول جميلة.
“تقهرنا.. الصهد ديال الله ليه الدوى، أما الصهد ديال الغلا هو للي ما لقينا ليه لا حيلة ولا دوا”،  تقول حنان، أم لثلاثة أطفال أكبرهم في السنة الأولى من الباكلوريا، قبل أن تضيف “إذا كنا نحن بدخل يقارب 10 آلاف درهم شهريا، نعيش أزمة مالية صعبة، بل محنة حقيقية كلما حلت العطلة الصيفية أو حل شهر رمضان، وبعده عيد الفطر، أو مع بداية كل موسم دراسي، فكيف سيكون الأمر عندما يجتمع الثلاثة في آن واحد، بل ماذا سيكون مصير عائلات أقل دخلا؟”.
للسنة الثالثة على التوالي، تواجه الأسر المغربية هجوما رباعيا متتاليا على جيوبها بسبب توالي أربعة “مواسم إنفاق” بشكل مضطرد، وتداخل بعضها بالآخر: مصاريف العطلة الصيفية، التي ما كادت تنتهي حتى حملت معها شهر رمضان الفضيل بكل ما يتطلبه من مصاريف وأعباء تكتم على أنفاس المواطنين وتجعل الصغير قبل الكبير يحسب لها ألف حساب، لتكتمل معاناة الأسر ويتم الإجهاز على آخر فلس تملكه بقرب الموسم الدراسي المقبل الذي تزامن مع حلول عيد الفطر بما يحمل من مصاريف تؤثثها ملابس جديدة للأطفال وأخرى تقليدية عادت إلى اقتنائها جل العائلات، نساء ورجالا، وتكون بذلك دقت آخر مسمار في نعش ميزانية الأسر التي وجدت في قروض الاستهلاك التي تعرضها البنوك والاستدانة يمينا وشمالا، تارة من الأصدقاء وتارة من أحد أفراد العائلة، حلا وحيدا وخيارا لا محيد عنه في مواجهة غلاء أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات، التي يفرضها “نمط الحياة الحديثة”، تقول حنان مضيفة أنه “في الماضي كان شهر رمضان مقترنا بالعبادة والغفران والتقرب إلى الله، لكنه اليوم، أضحى شهرا استهلاكيا بامتياز، تتنافس فيه الأسر والعائلات على إعداد ما لذ وطاب من “شهيوات”، وارتداء آخر صيحات الموضة في القفاطن والجلاليب التقليدية، سيما منتصف شهر الصيام وليلتي 26 و27 منه، ثم الاستعداد إلى يوم العيد، وما أدراك ما يوم العيد”.
لكن نمط الحياة الحديث هذا، يخفي وراءه شبح المصاريف، الذي يزداد ثقلها كلما ارتفع عدد أفراد الأسرة. “ماحاس بالمزود غير للي مخبوط بيه..”، يقول محمد، رب أسرة مكونة من خمسة أفراد، وحده معيلها، قبل أن يوضح بعصبية حاول جاهدا أن يخفيها، دون جدوى، “دخلي يقارب 10 آلاف درهم، ورغم ذلك، اضطررت لاستدانة ضعفه، أي أنني صرفت منذ شهر يوليوز الماضي أزيد من 30 ألف درهم، خصصت كلها لقضاء بضعة أيام في مدينة مارتيل، لينطلق بعد ذلك ماراثون التحضيرات الاستعدادية لشهر رمضان”، يصمت للحظات، يسترد أنفاسه ثم يواصل “لا حول ولا قوة إلا بالله هذا للي يقول الواحد”.
ورغم أن موسما واحد من مواسم الإنفاق (العطلة الصيفية، رمضان، عيد الفطر، الدخول المدرسي..) كفيل باختراق وتصفية أي جيب والإجهاز بالضربة القاضية على ميزانية العائلات المغربية، إلا أن شهر رمضان يبقى سيد مواسم الإنفاق، وأكثرها تأثيرا على ميزانية الأسر. “نتوما عارفين رمضان والمصاريف ديالو، غير السفوف ولات كاطيح بغسيل الفندق وزيد وزيد”، تقول جميلة التي أكدت أن الوصفة السحرية التي أوصلتها إلى بر الأمان وأمكنتها من إتمام الشهر دون استدانة من قريب أو صديق، الاستعداد شهورا قبل حلول الشهر الكريم، “إذ بمجرد أن ننتهي من مصاريف عيد الأضحى واقتناء كافة مستلزماته، حتى نشرع في ادخار مبلغ نخصصه لشهر رمضان، الذي أصبح يعرف ب”شهر الشهيوات””، تبتسم ثم تواصل “بقليل من التنظيم يمكن للمرء أن يدبر مصاريف رمضان”، قبل أن تستدرك “وإن كان لا أحد ينكر أن مصاريفه أصبحت سيفا يسلط على جيوب المواطن البسيط”.    

هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق