رمين أدواتهن المدرسية ولبين رغبة "الجواد" وأصبحن يعلن أسرهن شابات لم تتجاوز أعمارهن 16 سنة، يجلسن القرفصاء بباب ضريح "سيدي محمد"، المعروف عند البيضاويين بـ"مول الصبيان"، على قدر كاف من الجمال، يرتدين ملابس تساير الموضة، احداهن تضع عدسات لاصقة، وأخرى اختارت وضع منديل يغطي نصف شعرها الأسود، يثرن انتباه كل من اقترب منهن عارضات خدماتهن عليه، ومؤكدات أنهن "نقاشات" للحناء فقط لا غير، إلا أن الواقع غير ذلك، لأنهن "شوافات جون". في عالم فتح أبوابه للرجال والنساء، وللجاهلين والمتعلمين، توجد فئة أخرى، كان قديما غير مسموح لها بتجاوز عتبته، ولا حتى بالتحدث عليه. ومن أراد ذلك، عليه أن يختبئ وراء كومات القش أو بين أشجار الزيتون، والتحدث في كل تفاصيله بكل حرية. لكن الواقع تغير، وأصبح حتى "الأطفال" والمراهقون، يمارسون السحر، ويتشعبون في تفاصيله، ويظهرون "حنة أيديهم" في عالم كان حكرا على البالغين. طفلات لكن شوافات غير بعيد عن المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، وفي أحد الدروب المجاورة له. هناك قرب الشارع الذي يعد من أبرز الشوارع الراقية بالمدينة، ضريح بني منذ سنوات طويلة، يحج إليه الكثيرون من كل حدب وصوب، لأنه، حسب اعتقادهم، يعالج النساء العاقرات، وأن بركاته تنزل على الحالمات بالأمومة، اللواتي غلب الإحباط على عقولهن، وجعلهن يطرقن كل الأبواب، لتحقيق المراد، بشرط أن يسمى الطفل الذكر على اسمه، أي "سيدي محمد". يضم الضريح، عددا من الغرف، مختلفة المساحات والاختصاصات، لا يمكن الخلط بينها، القوانين سارية منذ سنين ولن يجرؤ أحد على تجاوزها، فمن أراد زيارة الضريح، قصده حاملا بيديه الشمع والحليب وماء الورد، ومن أراد إبطال السحر يجد ضالته في غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها أربعة أمتار مربعة، ومن أراد تقديم "الذبيحة للسيد" خصص أصحاب المكان مساحة كافية لذلك. قبل تجاوز عتبة الضريح يسمع الزائر كلمات تطلقها فتيات لم يتجاوز سنهن 16 سنة، علامات فترة البلوغ ما زالت بادية على وجوههن الشابة، اخترن عتبة الضريح لعرض خدماتهن "أجي تحني" و"ديري حنينة أ زوينة"، لكن وبمجرد ما يقترب منهن الشخص، يغيرن العروض وتصير "ضربي الكارطة؟" "بغيتي ديري اللدون"، فبدرجة 180 درجة وبصورة مفاجئة يتغير خطاب الفتيات.بعد مقدمة طويلة، يرمين وراء ظهورهن عرضهن الأول، الخاص بالحناء، ويشرعن في اقناع "الزبائن" بتجربة قراءة الحظ، مؤكدات أنهن "شوافات" يمكن الاعتماد عليهن رغم صغر سنهن، وأن الجن في خدمتهن وتحت تصرفهن. بوابو العمارات في خدمة الشوافات بلهفة قوية، تخلت إحداهن عن كرسي صغير، بعد أن اقتنعت "زبونة" بعرضها الجديد، وأمسكت بيدها، قاصدة عمارة بجوار الضريح، وقبل أن تصل إلى الباب أخرجت هاتفها المحمول من جيب سروال الجينز يساير تصميمه الموضة، وبدأت في البحث في ذاكرة الهاتف عن اسم معين، وفي الوقت ذاته، كانت تؤكد للزبونة أنه رغم صغر سنها، فإنها تملك قدرات "خارقة" في قراءة أوراق "الكارطة"، كما بمقدورها إبطال السحر وأشياء أخرى، مضيفة أن جنيا يسكنها، حسب تعبيرها، يساعدها في ذلك، وأنها منذ أن كانت طفلة صغيرة لا تتعدى سنها 6 سنوات كانت تبوح بأسرار بعض المقربين منها دون وعي منها بما كانت تقولها. وأضافت رشيدة، اسم مستعار، أنها أخيرا اكتشفت قدراتها في قراءة الأوراق، مشيرة إلى أن الجني أجبرها على ذلك، بعد أن حلمت بشخص يهديها أوراق اللعب، مؤكدا انه يجب أن تأخذ مقابل ذلك. وقبل أن تكمل الفتاة حديثها، التحق بالمكان رجل في الخمسينات من عمره، يحمل بيده مفاتيح كثيرة، ودون أن يتفوه بكلمة واحدة أشار بأصبعه إلى باب عمارة، وفتحه مغادرا المكان مسرعا. وبعد دخول العمارة أعادت الفتاة هاتفها المحمول من جديد إلى جيبها، وأخرجت الأوراق، ووضعتها على عتبة وقالت بهمس، ما اسمه وما لونه، وشرعت في اختيار 3 أوراق مختلفة طالبة من الزبونة وضعها في اتجاه قلبها، ثم وزعت الورق على ثلاثة أجزاء طلبت من الزبونة أن تكرر وراءها ما ستقوله "قلبي، تخمامي، باش غادي يأتيني الله". كانت الفتاة تحاول في كل مرة أن تؤكد للزبونة أن شخصا يقف في طريقها، ويحاول رفقة أشخاص آخرين أذيتها، مؤكدة أن سحرا "خطيرا" يقف أمام تحقيق أحلامها. وفي الوقت ذاته كانت "الشوافة" تؤكد أن الحل بيدها ويمكن أن تخلص الزبونة من كل ذلك، فقط إذا طالبت مساعدة "جوادها"، حسب تعبيرها، لا يعجزون عن فك السحر. وقبل أن تنتهي من قراءة الأوراق، خلعت سترتها السوداء ووضعتها على الأرض، وكأنها متأثرة بما تقرؤه، وقالت بصوت متأثر "خصك أختي تبالي براسك"، مشيرة إلى أن الحل بين يديها وأنها تحتاج فقط إلى مبلغ من المال من أجل أن تشتري أشياء ستساعدها. وتوقفت لحظة قبل أن تكمل حديثها "الشيق"، "إذا أردت التأكد، يمكن أن تشتري ما سأحتاجه، إلا أنك ستجدين الأمر صعبا"، باعتبار أن بعض المواد تعتبر نادرة. طريقة الفتاة في إقناع الزبائن وتوصيل أفكارها إليهم، جيدة جدا، وكأنها عرافة محترفة، شبت وشابت على ممارسة السحر والشعوذة، وضحاياها لا يمكن حصرهم، رغم أنها دخلت هذا العالم منذ أشهر فقط. الواقع المر... قبل أن تنتهي "العرافة الصغيرة" من سرد خطتها من أجل أن تبطل سحر زبونتها، ودون مقدمات، بدأت تتحدث عن تجربتها الجديدة/ القديمة، وأخذت تذكر تفاصيل حياتها الشخصية، وكيف أن عائلتها تقبلت الأمر الواقع بعد أن كانت ترفضه جملة وتفصيلا، سيما أن أقل ما يقال عنه، أنه من الخرافات ولا أساس له من الصحة، وان الذين يدخلونه يحتاجون إلى جلسات نفسية... تقول رشيدة، إن والدتها، رفضت في بادئ الأمر، الاستماع لما كانت تقوله عن الجني الذي يسكنها، على حد تعبيرها، رغم أنها كانت ترافقها في كل مرة عند إحدى العرافات. إلا أنها، ودون سابق إنذار فجرت الطفلة "الرمانة" وواجهتهم بالحقيقة، وأكدت أن الجني أمرها بأن تقرأ أوراق اللعب. وهنا كما أكدت رشيدة، استسلمت العائلة، سيما أن الطفلة لا تمانع في ذلك، ومن الممكن أن تجني المال وتعين عائلتها. وأضافت المتحدثة أن عائلتها على علم بمكانها، إلا أنها تعجز عن منعها، مشيرة إلى أنها أخيرا اقتنعت بأن تخليها عن الدراسة وتنفيذ طلبات الجن، لم يكن أمرا سلبيا، باعتبار أن الفتاة أصبحت تساعد الأسرة ماديا. صغيرة على "الشعوذة" ينطبق عنوان الفيلم المصري "صغيرة على الحب" على بعض العرافات، لكن مع تغييرات بسيطة، ليصبح العنوان "صغيرة على الشعوذة"، فكما حاولت سعاد حسني تغيير سنها من أجل أن تغني ويسمح لها بالتمثيل على خشبة المسرح، تحاول أيضا بعض "الشوافات" تغيير تفاصيل حياتهن رغم صغر سنهن، ويختبئن تحت عباءة طلبات الجن، إذ يزعمن أن لا علاقة لهن بالسحر والشعوذة، ويجهلن تفاصليهما، وأن الجن الذي يسكنهن هو من يطلب منهن ممارسة ذلك ويساعدهن على قضاء أغراض من التجأ إليهن لإبطال السحر أو غير ذلك. وهذا بالضبط ما أكدته "الشوافة" رشيدة، موضحة أن بعض صديقاتها، في الوقت الذي رأين كيف أصبح بإمكانها الحصول على مبالغ مهمة من المال، شرعن في تجسيد دور "الشوافات" مدعيات أن الجن يستجيب إلى طلباتهن. وأشارت إلى أن صديقاتها انتشرن على عدد من الأضرحة المعروفة، بعد أن تخلين عن الدراسة، مسترسلة "صديقتي المقربة، لا تتجاوز سنها 17 سنة، اختارت أن ترحل إلى "مولاي إبراهيم" نواحي مدينة مراكش، وأخذت مكانا لها إلى جانب عدد من العرافات المعروفات هناك"، مضيفة أنها بفضل ذلك أصبحت تساعد عائلتها الفقيرة، وأكمل إخوتها دراستهم. وعن الحياة الشخصية لصديقتها، قالت رشيدة إنها وقت زيارتها لعائلة القاطنة بأحد الأحياء الشعبية بالدار البيضاء، ترمي وراء ظهرها ثوب "الشوافات" وتعيش حياتها دون قيد أو شرط، موضحة أن لها علاقة بشخص يكبرها ب10 سنوات، يجهل حقيقتها، باعتبار أنها أكدت له أنها تتابع دراستها في إحدى المؤسسات التعليمية بمدينة مراكش. من جانبه، قال علي الشعباني، باحث في علم الاجتماع إن ظاهرة الشعوذة، على العموم، تجد لها طريقا واسعا في المجتمعات التي تشهد نسبة كبيرة من الأمية والجهل، مشيرا إلى أن المغرب من بين البلدان، التي يتعاطى أفرادها إلى هذا النوع من الممارسات. وأضاف الشعباني، في اتصال هاتفي أجرته معه "الصباح" انه مع الإقبال الذي تشهده هذه الممارسات، من المتوقع أن تنخرط مختلف طبقات المجتمع في الأمر، موضحا أنه أيضا مع غياب فرص الشغل، من السهل جدا أن يفكر العاطل في التحول إلى مشعوذ بين ليلة وضحاها، ما دامت مهنة ستدر عليه الأموال. وفي موضوع العرافات المراهقات، أضاف الباحث في عالم الاجتماع، أن عوامل عديدة لها تأثير قوي على هذه الفئة من المغاربة، موضحا أن الوسط العائلي له دور قوي في إيمان الأطفال والمراهقين بالشعوذة وتبعاتها.وأضاف الشعباني، في حديثه مع "الصباح" أن المراهقين مع تزايد متطلباتهم، سيفكرون أيضا في هذه الطريقة، ويتنكرون في زي "الشواف"، معتبرا أنها طريقة سيحبذها زبناؤهم باعتبار أنه أمر غير مألوف. إيمان رضيف