زهـرة: "ولاد خـويا تعـداو عـليـا" «كل ما لعبتو المعزة فقرون الجبال كتخلصو فدار الدباغ»، و»الأيام بدالة ودوارة» و»كوليني يا موكة حتى الطيور عافوني»، هي أمثلة شعبية مغربية، تنطبق على الكثير من المغاربة وجدوا أنفسهم بدور العجزة ينتظرون لحظة تجمعهم بعائلاتهم، وآخرين ينتظرون اللحظة التي يغادرون فيها حياة أعطتهم الكثير وحرمتهم من المهم في سن يحتاجون فيه إلى جرعة حنان وبسمة أمان. ينتظرون هناك، وكلهم أمل في أن يأتي من يخرجهم وينقذهم من الحزن وألم الوحدة، لكن لا حياة لمن ينادون. «الصباح» ترصد قصصا لأناس هرموا من أجل لحظة تجمعهم بأطفالهم. تجلس بقاعة خاصة بتقديم وجبات الأكل بدار العجزة عين الشق، قفطانها المزركش يظهر أناقتها وأنوثتها. كالقناص التي يطلق رصاصاته العشوائية، تطلق ابتسامتها، وكصياد السمك الذي يرمي شباكه حامدا الله على ما أنعمه من خير، ترمي بحنانها. أمي زهرة ليست كباقي نزلاء دار العجزة، لكن قصتها تشبه الكثير. كلمة «تخلي» لها دلالات كثيرة عندها، لكنها لا تبالي بما مضى ولا بالذي سيأتي، بالقدر الذي تهتم فيه إلى الاستماع بوقتها الحاضر. قصة أمي زهرة، لها أبطال آخرون غير زوجها الذي طلقها دون سبب وتخلى عن رضيعه، وغير ابنها الذي هاجر البلاد دون أن يتصل بها ويوفي بما وعده بها، وأنه سيعوضها بما قامت به لتوفر له ما يحتاج، وأن لا يغادر مقاعد الدراسة، قبل أن يفارق الحياة. هناك أشخاص آخرون، كان لهم أيضا دخلا في أن تصل المرأة المسنة سمراء اللون إلى دار العجزة عين الشق بالدار البيضاء، أشخاص آخرون، تخلوا أيضا عنها، رغم أنهم يعلمون جيدا أنها في حاجة ماسة إليهم، وأنهم هم سندها. تحكي المرأة أنها بعد أصبحت عاجزة عن العمل، دقت باب من اعتقدت أنهم أقرب الناس إليها، وقصدت أبناء أخيها المتوفى، عسى أن يحسنوا بها وأن يعوضونها عن ما حرمت منه «مشيت عند ولاد خويا باش نعيش معاهم»، مضيفة « ملو مني، ورفضوا أن أظل معهم، فقررت مغادرة المنزل والتوجه إلى الدار الذي تحضن المتخلى عنهم والذين بلا عائلة، لأنني أصبحت أنتمي إلى هؤلاء». أمي زهرة، قررت ترك بيت عائلتها»، بعد أن تفاقمت المشاكل بينهم، وعوض أن تستمر، دقت هذه المرة باب لا يمكن أن لأصحابه أن يغلقوه في وجه كل متخلى عنهم أو الذين في حاجة ماسة إليهم، دقت هذه المرة باب دار العجزة.يقال إن المسن يحتاج إلى رعاية خاصة، سيما أنه يصبح يعتقد أنه دون فائدة، وإن دوره في الحياة توقف عند بلوغه سن معينة، وهذا ما يجعله، يحاول أن يثير الانتباه بكل الطرق، حتى إذا خلق المشاكل، إلا أن على المرء أن يتفهم الأمر، وأن يحاول قدر الإمكان عدم الاهتمام بكل ما يمكن أن يقوله المسن تجنبا للوقوع في المشاكل. وهذا ما يعانيه أغلب نزلاء دور العجزة، التي يغادرون منازلهم، أو حتى يتخلى عنهم، فقط لأنهم حاولوا، على حد تفكيرهم، شد الانتباه إليهم، واختاروا التحكم في المقربين منهم، والتدخل في بعض التفاصيل التي غالبا لا تعنيهم، وهو بالفعل ما حدث مع أمي زهرة، بعد أن تدخلت في حياة بنات أخيها الخاصة، وفرضت عليهن نمط حياة جديدة غير التي اعتدنها، تركنها «تعوم بحرها»، وأن تفعل ما تشاء بحياتها، مادامت مقتنعة بما تفعله.ضربوني وسلخوني حيت نصحتهم وبغيت لهم الخير»، تقول المرأة إنها نصحتهم لكنهم لا يبالو لما قالته لهم، وإنهم عوض أن يعملوا بنصيحتها صرخوا بوجهها مؤكدين أنه ليس من حقها أن تتدخل في حياتها. فمن المحتمل أن تكون المرأة بالغت في تحكمها على أبناء أخيها وأنها فعلا حاولت أن تفرض عليهن حياتها وتفاصيلها وطقوسها، وأن كيلهن طفح، لكن كان عليهن أن لا يتركنها وشأنها، وأن لا يتخلين عنها، فمها كانت الظروف تبقى خالتهن، وأنها مسنة في حاجة إليهن، وأنها أصبحت في مرحلة تحتاج إلى الحنان والعناية أكثر من ذي قبل، سيما أنهن بذلك، دخلن حكاية أمي زهرة، وتسجلن بلائحة الأسماء التي تخلت عنها، دون سبب، فكما تخلى عنها زوجها لأنه فقط أراد زوجة أخرى، وكما تخلى عنها ابنها أراد أن يبني مستقبله، إلا أنه غادر الحياة حيث من المفترض أن يبنيها، تخلى عنها أيضا آخر من توقعت أنهم سيتخلون عنها، أبناء أخيها، وطردوها بعيدا، فقط لأنها بالغت وتدخلت في حياتهم الخاصة. إيمان رضيف