استغـلال الأبـرياء دروعـا بشـرية يصف المحامي محمد الغازي نفسه بـ"ضحية ديمقراطية البهتان بجماعة العدل والإحسان"، مستندا إلى تجربته بها وتضحياته وما عاشه من متناقضات ظاهرها المسوق داخليا وخارجيا، ك"مظلومة"لحصد عطف أصحاب آبار البترول والأموال المغسولة. ويكشف في جلسات خاصة، جوانب مما تحفظه ذاكرته وخزانة وثائقه من حقائق نترك للقارئ فرصة اكتشافها. خلال عمله في إطار ديمقراطية البهتان، اكتشف المحامي الشاب محمد الغازي، مجموعة من الحقائق تتعلق بتناقض الخطاب التربوي للجماعة مع مجموعة من البنود الدينية الحقيقية الواردة في القرآن والسنة، وتناقض الخطاب السياسي حسب ما تم توضيح بعض حقائقه سابقا. حقائق صادمة تلك التي توصل إليها، و"ولدت لدي شعورا بأن الإطار السياسي الذي وددت الاشتغال به، أصبح غير مناسب لي، ووصلت إلى حقيقة عن اقتناع صميم، هو أنني لم أعد قادرا على إسداء أي خدمات باسمي لديمقراطية البهتان"، قبل أن يقرر الاستقالة. ويزيد "كنت حينها أنتظر الوقت المناسب لأفعل حقي كأي إنسان في الانتماء السياسي من عدمه"، لكن وقع ما لم يكن في الحسبان و"حصلت أمور في الأسبوع الثاني من ماي 2010، عجلت بمغادرتي لقلاع أقوام يدينون بالولاء لأفكار أولها شيطاني وآخرها دموي». في العاشر من ماي 2010، وكان يوم اثنين، "تلقيت مكالمة هاتفية من طرف المسؤول التنظيمي الأول لمدينة فاس، لزيارته لمنزله لأمر مهم" يحكي محمد الغازي، مضيفا "بالفعل وفي الوقت المحدد، لاحظت وجود مجموعة من القيادات ذكورية ونسائية". بعد ذلك تلقى تعليمات بالمهمة التي يجب عليه القيام بها، و"قد مكنني من هذه التعليمات، بعيدا عن مسامع الآخرين، والشيء نفسه، كان يقوم به مع كل قيادي يكلفه بمهمته". المهم أنه "أخبرني بأن حدثا عظيما سيقع يوم 13 ماي 2010 بمدينة فاس». كانت مهمة المحامي الغازي، حينها، تقتصر على إحضار أحد أعضاء مجلس الإرشاد وهو في الوقت نفسه عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، (إحضاره) من حوزة سلا، على اعتبار أن ديمقراطية البهتان، تؤمن بضرورة تركيز مجموعة من السلط والمسؤوليات بيد واحدة. كان عليه أن يكون بساحة فلورانسا قبالة مقهى فلوريا، على الساعة السادسة والنصف مساء بالتمام والكمال. وهو ما تم بعد أن توجه صباح ذاك الخميس، بسيارته إلى أحد المرائب بفاس، حيث «ركنتها ومكنوني من سيارة أخرى، قبل أن أنطلق إلى وجهة الحوزة».ويحكي عن ما حدث ذاك اليوم، «عند رجوعي في اليوم نفسه، وحوالي الساعة السادسة و20 دقيقة، وبينما كنت بمحاذاة مقر القنصلية الفرنسية في اتجاه المكان المعلوم رفقة القيادي، تلقيت مكالمة هاتفية من قبل المسؤول الإقليمي للدائرة السياسية، الذي أخبرني بعدم إكمال طريقي». وطبقا للأوامر، عاد بالضيف لأحد المنازل، قبل أن «يتم إخبارنا بأن ساحة فلورانسا تشهد إنزالا أمنيا مكثفا»، و»الحدث العظيم، أجلت مراسيمه» يواصل الغازي الذي أخبر بلقاء مهم عقد في الغد (الجمعة 14 ماي 2010) حضره بعض أعضاء الفرع والمسؤول الإقليمي وعضو مجلس حوزة سلا. هذا اللقاء الذي حضره المسؤول التنظيمي الأول بفاس، تم خلاله تدارس مجموعة من الأمور، إذ «توجه لنا عضو مجلس حوزة سلا، بكلمة ذكر فيها بأن النشاط الذي كان مبرمجا، هو إشارة انطلاقة بداية الزحف نحو جمهورية الخرافة، وأن مدينة فاس كانت ستقود الشرارة الأولى، للانطلاق». هذا المسؤول تحدث حينها عن تنظيم نشاط طلابي صوري في ذاك اليوم بكلية الآداب ظهر المهراز، و»إنزال كل طلبة تازة ومكناس وفاس في النشاط، وحشد مجموعة من الوسائل اللوجيستيكية للسهر على حسن إنزال جميع أعضاء الجماعة بزوجاتهم وأبنائهم بفاس وتاونات والنواحي». أما اختيار موقع ساحة فلورانسا، فجاء اعتبارا لأنها القلب النابض لفاس، و»في تلك الساعة، تكون تعج بالسكان الذين يخرجون للشارع للترويح عن النفس، فيما كانت الخطة تخص تنظيم تظاهرة على شكل وقفة احتجاجية قبل اتباعها بمسيرة ينضم إليها بقية المواطنين. وتحسبا لكل تدخل أمني، كان «سيتم استغلال نشطاء الجماعة، دروعا بشرية للتغطية على إيذاء أو اعتقال الأعضاء القياديين خاصة أعضاء مجلس حوزة سلا الحاضرين» يحكي الغازي الذي قال إنه «بوصفنا نتحمل بعض المهام بمجالس تنظيمية أخرى لمجالس الجهات، طلب منا، صياغة كذبة بلقاء ونشرها على نطاق واسع عبر مجالس الجهات حول ماهية النشاط الذي ألغي في آخر لحظة ولماذا. بعد الخروج من الاجتماع، يقول الغازي، «بدأت أعاتب نفسي على تأخري في مغادرة مركب ديمقراطية البهتان الذي يغرق يوما عن يوم، ووجدت بأن القناعات التي وصلت إليها، صادقة، وتذمرت من أفكار أقوام تظهر الصلاح والتدين والدعوة إلى الله، لكنا باطنا تضمر الشر حتى لمناصريها». «تبا لمن يجرؤ على حتى التفكير في جعل طفل صغير أو امرأة، ذرعا بشريا تحسبا لإيذاء شخص أو أشخاص يدعون الرجولة والفحولة» يقول قبل أن يخلص إلى أنها «أفكار لم نعهدها إلا في منطق ضعيفي النفوس، أصحاب المبادئ المهزوزة والمشروعات المستوردة والأموا ل المغسولة». أمام هذا الحدث، وبعد نهاية الأسبوع، وفي الساعات الأولى ليوم الاثنين 17 ماي 2010، «تقدمت باستقالتي وقفزت من مركب الخرافة، آسفا على كل درهم وكل دقيقة أضعتها في سبيل أفكار يتفنن مروجوها في إبراز أنها تتصف بالكمال والعياذ بالله» يختم حديثه عن هذه المرحلة. أعدها: حميد الأبيض (فاس)