بحكاني: خلقت لأكون إعلاميا رجال و نساء يجمعهم الانتماء المغربي بفضل أصولهم أو هاجروا لسبب من الأسباب، صنعوا لأنفسهم جميعا اسما في بلد المهجر في المجالات التي اختاروا الاشتغال فيها، يعدون جميعا مفخرة المغرب وكل المغاربة. “الصباح” قاسمتهم بعض التفاصيل الصغيرة في حياتهم واستلذت معهم بنشوة نجاحاتهم.حوار اليوم مع الإعلامي والسينمائي المقيم بهولندا بنيونس بحكاني حدثنا عن بدايتك مع الهجرة، وعن الأسباب التي جعلتك تتخذ من هولندا موطنا ثانيا لك؟كان ذلك في الثمانينات، وبالضبط سنة 1980 مع بعض الأصدقاء في العطلة الصيفية انطلاقا من وجدة، إذ كنا نشتغل أساتذة. كنا نقوم برحلة نزور خلالها اسبانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا. أتكلم عن وقت “لا فيزا لا باليزا”، فقط جواز السفر ورخصة مغادرة التراب الوطني آنذاك وعناوين مختلفة. تمر الأيام ويحصل كما يقولون “حب قديم”. أصل إلى هولندا حيث تعرفت على زوجتي الأولى، التي أنجبت معها أنس الذي يتابع دراسته الجامعية بين جامعة أمستردام وجامعة سيول بكوريا الجنوبية، وهكذا تطورت الأشياء إلى أن أبرمت عقدا مع وزارة التعليم الهولندية لأعمل أستاذا للغة العربية والثقافة المغربية سنة 1986، وترددت كثيرا قبل ذلك لأنه وبكل صراحة كانت وضعيتي مريحة في المغرب، بالإضافة إلى رغبتي في متابعة الدراسة في الإعلام والصحافة، ولا تنس أني كنت دون الثلاثين بمعنى “الشباب وما يدير”، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن... ما هو الإحساس الذي انتابك لأول مرة وطئت فيها قدماك الأراضي المنخفضة؟إحساس جميل، لأني وطأت الأراضي المنخفضة قبل أن أستقر بها. دخلتها أول مرة عبر الحدود الألمانية على متن القطار، كانت تلك الأراضي الخضراء تشبه إلى حد ما مناطق ملوية السفلى وسهول طريفة. المحيط لم يكن يختلف كثيرا عن البوادي المغربية، لكن الأولى منظمة ومرتبة مقارنة مع بوادينا.في الحقيقة، عشت أحاسيس متنوعة، منها إحساس الغربة والفراق بمغادرة مدينة جميلة وهادئة مثل السعيدية، والابتعاد عن محيط الطفولة والخضرة والماء العذب وجبال بني يزناسن ونهضة بركان ومولودية وجدة، والمسرح العمالي والمجال الثقافي والإعلامي. لم يكن من السهل خصوصا أن أنشطتي كانت متعددة ومتنوعة، زيادة على عشقي لمنطقتي حتى النخاع، لكن هولندا في الثمانينات كانت شيئا آخر. حب الحياة وعشقي للحرية جعلني أرتبط أكثر بمجتمع متعدد الثقافات، يعترف بحقوق الإنسان، وتحضر فيه الكرامة والتعايش وفرص أخرى يرغب فيها كل شاب في سني، طموح ومحب للحياة... ما الذي دفعك أن تختار ممارسة الإعلام؟قلت في لقاء صحافي سابق، إني خلقت لأكون إعلاميا، كبرت وترعرعت في بيت فتحت فيه أعيني على الكتب والجرائد والمجلات. كان أبي رحمه الله من مثقفي بركان وأحد المنظرين في حركة التحرير والمقاومة. كان يتوفر على مكتبة متواضعة، عمل مسؤولا عن خلية المناشير والرسائل، وكان في منزلنا صندوق كبير مملوء بالجرائد الفرنسية والعربية ك "لوبتي ماروكان" و"لوبنيون" وجرائد جزائرية بالعربية والفرنسية. كنا نشاهد والدي، وهو يطالعها بنهم. اهتمامه كان موجها خصوصا لتلك المكتوبة بالفرنسية. كنا نملك مذياعا أطلقنا عليه اسم "مذياع محمد الخامس"، في إحالة على خطاب الملك الراحل بعد عودته من المنفى. كان بمثابة المنبر الإعلامي المهم في قلب الدار، ولم نتوفر آنذاك على تلفاز إلا في سنة 1970 بمناسبة كأس العالم، كان عمري حينذاك 14 سنة، كنت أتصفح رفقة إخوتي هذه الجرائد ونسأل عن محتواها، ونقرأ الكتب كثيرا. وهكذا ترعرعت تلك الملكة وحب استطلاع الأحداث والمستجدات، كتبت أول مقال ومازلت طالبا في ثانوية ابن رشد قبل حصولي على البكالوريا، صرت المراسل الشاب للمنطقة حتى أصبحت واصفا رياضيا ثانيا إلى جانب قاسم اجداين ومكلفا بالإعلام في مكتب النهضة البركانية، وبعدها أصبحت المراسل الرسمي لجريدة لوبنيون بوجدة، وكان المرحوم مصطفى بلهاشمي يحتضنني كشاب يكتب عن المولودية ويخصص لها فقرات من كتاباته، وأشرفت على البرنامج الثقافي بإذاعة وجدة "أيام" مديرها عمر بلشهب، وكانت لدي عدة مقالات في جرائد متنوعة كالمحرر والعلم وغيرها، ساهمت مع أستاذي نجيب السالمي في دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط سنة 1983، ربما كنت أصغر الصحافيين المعتمدين آنذاك بالإضافة إلى مساهماتي في التغطية الثقافية من مهرجان السعيدية إلى موسم أصيلا مرورا بمسرح محمد الخامس.ولما استقررت في هولندا، لم يكن هناك إعلام يهتم بالأجانب، وجدت وقتها برنامجا إذاعيا مليئا بالحقد والكراهية، وللأسف كان يشرف عليه مغربي كان شغله الشاغل العداء للوطن وللبلد وللملك،لم تكن هناك جرائد أو صحف إخبارية أو إعلانية، فقمنا بمبادرة خلق إذاعة محلية ثم جهوية تهتم بالمهاجرين وتكون بقربهم لإخبارهم وتقليص مسافة البعد والغربة بحكم غياب وعدم وجود وسائل إعلامية أخرى. بمعنى لم تكن هناك في ذلك الظرف أقمار اصطناعية للنقل التلفزي. للتذكير كان هناك برنامج أسبوعي تبثه "نوس3 " وكان يشرف عليه المرحوم نجيب الطاوجني لمدة ثلاثين دقيقة، وكان في فرنسا برنامج موزاييك وراديو شمس وراديو بور .بناء على هذا الوضع جاءت الفكرة مع بعض الرفاق، لأن نطرق الأبواب للحصول على وقت للبث وعلى موجة محترمة للإرسال، وهذا بحجة أننا نساهم في اقتصاد البلد، ونؤدي الضرائب التي من خلالها تنتج جميع البرامج التي لا نجد فيها هويتنا وثقافتنا ورغباتنا، وفي هذا الإطار، وفرت لنا الجهات المسؤولة حصتنا وتوقيت البث للبرنامج الإذاعي "صوت الهجرة" الذي ما زال يبث في إطار مؤسسة التواصل للثقافة والإعلام . هل يمكن القول اليوم إن هولندا تتوفر على إعلام هجرة؟هولندا في الظروف السياسية الحالية لا تتوفر على إعلام هجرة أو إعلام موجه للجاليات المهاجرة أو المقيمة فيها، هناك برامج بتوجيه هولندي حول المهاجرين وبدون إشراك المهاجرين، بمعنى برامج إذاعية وتلفزيونية تتطرق إلى نوعية الاندماج المرغوب فيه ورغبة السياسيين في سياسة الهجرة والتضييق عليها أو إخراج سيناريوهات لا علاقة لها بالهجرة والإسلام والمهاجرين الأفارقة.في نظري لم يبق هناك حياد إعلامي وخصوصا بعد وصول اليمين المتطرف وحزب خيرت فيلدرس.ووعيا منا بهذا الظروف خلقنا مؤسسة التواصل للثقافة والإعلام لملء الفراغ السائد في هذا المجال، لكن ليس من السهل بكل صراحة، لأن هناك تيارات معادية لمثل هذا الإعلام، لكن والحمد لله حافظنا على بث وإرسال البرنامج الإذاعي صوت الهجرة إلى الآن، وساهمنا إلى حد ما في رئاسة تحرير مجلة باللغة الهولندية موجهة إلى كل الجاليات والهولنديين كذلك، وهذه السنة دخلنا في مشروع كبير، وهو إصدار مجلة للأسرة المغربية المهاجرة، ونتمنى أن تستمر لأن الإكراهات المادية واللوجستيكية كبيرة جدا مع غياب المساهمين والإشهار. أخرجت فيلما حول الهجرة بمشاركة أسماء مغربية معروفة، ما الذي أضافته هذه التجربة إليك؟أخرجت أكثر من فيلم، وبحوزتي خمسة أفلام قصيرة وشريطان وثائقيان، وأنا بصدد التفكير في إنتاج فيلم انتهيت بضبط السيناريو له والإخراج النظري والبحث عن موارد الإنتاج. بعد تخرجي من أكاديمية الإعلام بهيلفرسم بهولندا ودراسة الإخراج الذي كنت أعشقه منذ أيامي الأولى بالمسرح العمالي بوجدة، فكرت في إخراج أفلام تحكي حياة ومعاناة المهاجرين أو نجاحهم وآفاقهم في الوقت الذي تنتج فيه الأفلام النمطية حول الأجانب وبالخصوص المغاربة ومن كلا الجانبين المغربي والهولندي.أردت طرح عدة أسئلة أين نحن من هجرتنا، وهل لنا أرشيف محترم بعد أكثر من 50 عام من الهجرة، كلها أفكار وآراء تخالجني للمساهمة إلى حد ما في تغيير تلك الصور النمطية حول المهاجرين أو فتح حوارات بواسطة أفلامي لوضع الأصبع على الجراح، وحتى يكون هناك نقاش محترم في إطار حوار الحضارات والقيمة المضافة. في هذا الصدد، إن توفرت لي شروط وظروف مالية أحسن سأوافي الخزانة السينمائية المغربية بأفلام محترمة ودراما تكرم الهجرة والمهاجرين المغاربة. كيف ترى الهجرة في هولندا ووضعية المهاجرين المغاربة في هذا البلد؟بصراحة وضعية غير مريحة، ولا يحسد عليها نظرا لتصاعد الأحزاب اليمينية المتطرفة الداعية للحد من الهجرة والتي تضرب مصالح وحتى حقوق المهاجرين. من هنا، حان الوقت لتضافر الجهود والدفاع عن حقوق المهاجرين وخصوصا الجيل الأول والثاني. هي وضعية لا تبعث على الارتياح نظرا للأزمة الاقتصادية العالمية وتفشي البطالة في صفوف المهاجرين والتمييز العنصري في سوق الشغل وعدم انشغال وانكباب حكومة مارك روت على هذا الوضع، في الوقت الذي يجب أن تكون الهجرة ضمن أجنداتها. قد لا ننكر أن هناك مجهودات مختلفة من طرف الوزارة الوصية والمؤسسات المختصة في الرباط لكن الأزمة مستفحلة وآثارها واضحة سواء على مستوى الدخل أو على المستوى المعيشي. بوعلام غبشي (باريس)