ساحة للحكي والثقافة الشعبية تعد ساحة جامع لفنا القلب النابض لمدينة مراكش، ومخزونها الثقافي الذي نسجت خيوطه عفوية أبنائها على امتداد تاريخها الطويل. لا أحد يعرف كيف بدأت ومتى ستنتهي وحده القدر ووحدها الصدفة يجعلانك تقف في هذه الحلقة دون سواها. شكل جامع لفنا على مر العصور، بالإضافة إلى الحركة الاقتصادية التي تميزها مسرحا كونيا لتقديم كل أنواع الفرجة وحلبة صراع وتحدي بين الرواة في سرد سير الأنبياء والأولياء من الأزلية والفيروزية فالعنترية وألف ليلة وليلة.وقد أجمع شيوخ الحلقة على أن جامع افنا يعتبر المحك الذي يختبر فيه الحلايقي قدراته الفنية، ومن لم يستطع أن يقيم حلقته في ساحة جامع لفنا لا يمكنه أن يكون حلايقيا. شكلت جامع لفنا فضاء للحكي والثقافة الشعبية، وهو ما يربط المراكشي بالساحة ويثير الأجنبي بصفة أساسية،حيث تخصص أشخاص في رواية السير الخيالية العجيبة، والتي تشد السامع إليها بما توفره من خيال وحركية، وما تقدمه من معارك وحيل ومفاجآت، وما تصفه من جو خرافي خارج إرادة الإنسان واستطاعته ويتحكم الراوي في المستمعين بطريقة سيكولوجية، بحيث ينهي جزءه اليومي في قضية تحتاج الحل، تاركا المستمع على نار للمجيء في الغد لتتبع القصة. أول سؤال يطرحه الزائر منذ أول حلقة يحضرها لماذا يلتف هذا الحشد حول سارد خانته صحته ففضل الجلوس، صوت قوي يخترق أصواتا مبحوحة تبحث عن سوق لبيع منتوج وهمي دواء يصلح لكل الأمراض. لماذا يتحمل هذا الواقف صخب الساحة، ويتسمر أمام هذا السارد يتشوق لتتبع أطوار حكايته العجيبة؟ من هو مولاي إبراهيم؟ ما قصة قبته، ناقته، وإزاره الأخضر؟ قد يكون الزائر متيقنا من أن علي بن أبي طالب لم يصارع يوما راس الغول، لكنه يبقى متشوقا لتتيع أحداث ذلك النزال العجيب بين شخصيتين إحداهما تاريخية وأخرى متخيلة. إن متعة الإنصات قوية حتى مع الحكايات الخرافية، ولا يمكن مقاومتها، عندما تنعدم مصداقية الخبر وتغيب المؤثرات المرئية والصوتية يصبح المجال فسيحا لسحر الحكاية الممارس على الملتلقي. للحكاية سحر خبره الأولون والآخرون، وحاول كشف سره المنظرون والنقاد من أرسطو إلى أحدث الدراسات السيميائية والسردية، وفي كل مرة تكتشف عناصر جديدة تدخل في بناء الحكاية أو تأثيث عالمها، لكن لا أحد يستطيع فك رموز ذلك اللغز الغامض، متعة الحكاية، إذا كانت الإحاطة بأسرار المتعة أمرا صعبا المنال، فإن إتقان متعة الحكي والتحكم فيه أمر حاصل، وإلا كيف يجعلك الحلايقي بجامع لفنا تنشد لقصصه المثيرة؟ بل تعيش أحداث نفس القصة مرات عديدة وفي كل مرة تبدو لك فيها قصة جديدة تسمعها لأول مرة وتتشوق لبلوغ نهايتها.وأهم السير التي تحكى بالساحة: العنترية والأزلية، وتتميز حلقة الحكي بالسكوت التام للرواد، وطريقة الإلقاء الرائعة للحاكي واستعماله لكل جسده وتوظيفه لليد والحركة في توضيح ما يقصه كثرة المستمعين، وقد يتجاوز عددهم 100 شخص للحلقة الواحدة يتسابقون لاحتلال الأماكن المتقدمة ليستمعوا في جو من الانضباط والهدوء، وإقبال أغلبية المستمعين على إكرام القاص بقسط من المال بطريقة مباشرة أو خفية. وأهم الرواة: بن الجيلالي، وكان يقيم حلقته بباب فتوح، الشيخ عمر تخصص في قصص الأنبياء والجهاد،كبيري الضرير كان يقيم الحلقة أمام قنصلية فرنسا، الحاج اعمارة التمعيشة وراء الكتبية، السيد ميلود الجابري أمام مقر غرفة الصناعة التقليدية.ويبقى الغناء هو السمة الغالبة على ساحة جامع الفنا وينتمي لعدة جهات من المغرب باختلاف لهجاته وعاداته وآلاته ومن بين الأنواع الغنائية التي شدت الزائر للساحة قديما الملحون بواسطة المرحوم السكوري وأولاده، الحاج عبد السلام،عمر ولد الطالب، الشيخ بأمر سيدي كما يغني الملحون كذلك بعض المداحين اعتمادا على الكنبري أو الدف ومنهم:مولاي أحمد الفطن، السي عمر والسي إبراهيم الضريران.وهناك الطرب العربي الفلكلوري ويتمثل في الحوزي، المخاليف، المصابيح والحمادة. ومن أهم الأجواق فرقة ابن حمامة الرحماني والتي تتكون من 15 فردا بين عازف على الكمان وضارب على الطعريجة أو البندير، وقد تميزت هذه الحلقة يجذبها كثيرا من عشاق الحوزي وتفننت في الميزان والواد وفي غياب المرأة كان يتقمص أحد الرجال دورها وسموه زبيدة، إذ كان يرتدي ملابس النساء. الطرب العربي التراثي، ويتمثل في الفرق التالية: عيساوة وقد اشتهرت بترويض الفاعي والثعابين، وتتمتع الفرق بإقبال كبير خاصة من الأجانب الذين يفضلون أخذ صور والثعابين حول أعناقهم. هداوة ويتميزون بالضرب على الدعدوع ومرافقته الضرب بأمداح نبوية. وخاصيتهم الأساسية اللباس المميز وتدخين الشيشا (النرجيلة )، هوارة يلعبون ويرقصون في آن واحد، يستعملون نوعا معينا من التعاريج يتميز بطوله وله رنة خاصة، بالإضافة إلى طارة صغيرة ويتميز لعبهم بالخفة والرشاقة وسرعة الحركة. أقلال، وهي فرقة تنتمي إلى الصحراء، ويقوم لعبها على المسايفة تستعمل المزامير القصبية والدفوف وتتخللها رقصات بالسيوف ونغمة موسيقاها منتظمة ومكررة وبطيئة، عكس بن حمامة وهوارة، يقوم طرب اولاد سيدي رحال على نفس الأدوات والمزامير القصبية والبنادير، ويمزجون الرقص بالغناء وشرب الماء الساخن جدا، يتميزون بغزارة شعرهم واستعمالهم للسكاكين ووضعها على جباههم و ألسنتهم.الطرب التراثي من أصل إفريقي ويتكون من صنفين:كناوة عبيد الصحراء، ويعرفون بالضرب على الطبل والقراقيب ومزج ذلك بالقفزات البهلوانية المختلفة، يلبسون شواشي مرصعة بالودع والصدف البحري ويعملون خلال النهار.كناوة دردبة ويلعبون بالقراقيب والهجهوج ويمزجون الطرب بالأمداح في حق الجن وغيره:آللا ميرة هاك الجاوي هاك البخور سعدي بالوالي جاني عمامتو خضرا آ مولاي عبد القادر يا فارس الحضرة ويتميزون بلباس يختلف حسب الأغنية والجن المهداة إليه ويعملون خلال الليل. الطرب البربري الفلكلوري التراثي ويتمثل في مجموعة من الفرق: الروايس، ويعزفون على الرباب وأوتار الكنبري والناقوس، ويتميزون بلباسهم الخاص جدا وممن اشتهروا بجامع لفنا نذكر الشيخ أعراب، الشيخ الدمسيري، لولمسايل، بوغولات.خلال فترة الاستعمار، عندما كان الخمر يباع علنا اهتم به الغناء بالساحة وكان شيخ ضرير يجلس بالقرب من مقهى فرنسا ينشد:سيد العربي شرابو ظريف من دكالة عنبو خفيفشربو لوصيف مع الشريف به قلل الله حيانا من كان تاجر وافي عليه بكّعاد الكافييشرب الشراب العافي كّرانا مع شيبانافي جواره ينشد مولاي العربي الأخضر ( أب التعريجة ):مول القصور بغيت نزور شايل الله آ الغزوانيكما اهتمت ساحة جامع لفنا بالنكتة، ولم تكن تخلو حلقة من حلقاتها من مستملحات تثير الضحك، وهناك حلايقيا تخصصوا في التنكيت، وقد كانت حلقاتهم تشهد إقبالا كبيرا لمدة طويلة، ومنهم محمد الكازي، وبرغوت، وفلفلة، وفاكس وبوغورة وبولمسايل ومحمد الصويري. محمد السريدي ( مراكش )