زهرة: مبكيتش ملي مات ولدي حيت سمح فيا «كل ما لعبتو المعزة فقرون الجبال كتخلصو فدار الدباغ»، و»الأيام بدالة ودوارة» و»كوليني يا موكة حتى الطيور عافوني»، هي أمثلة شعبية مغربية، تنطبق على الكثير من المغاربة وجدوا أنفسهم بدور العجزة ينتظرون لحظة تجمعهم بعائلاتهم، وآخرين ينتظرون اللحظة التي يغادرون فيها حياة أعطتهم الكثير وحرمتهم من المهم في سن يحتاجون فيه إلى جرعة حنان وبسمة أمان. ينتظرون هناك، وكلهم أمل في أن يأتي من يخرجهم وينقذهم من الحزن وألم الوحدة، لكن لا حياة لمن ينادون. «الصباح» ترصد قصصا لأناس هرموا من أجل لحظة تجمعهم بأطفالهم. «خدمت وتكرفصت باش ولدي يعيش مزيان، في الآخر سمح فيا وهاجر وما عمرو سول فيا حتى جاتني خباروا»… بهذه الكلمة اختصرت أمي زهرة حكايتها، وكيف وجدت نفسها بدار العجزة بعين الشق بالدار البيضاء، متخلى عنها، بين أناس أقنعت نفسها، أنهم عائلتها الجديدة، وعوض أن تبكي حزنها وآلامها، تضحك وتبتسم وتحكي دون حرج عن ما حل بها. وعوض أن تستسلم لدموعها وتجعل من الكآبة ونيستها، تتجول الدار وكأنها دارها، وأن بها ترعرعت وقضت شبابها، وبها ستمضي مشيبها.التحدث عن الماضي، لا تهتم به أمي زهرة بالقدر الذي تهتم بالتفكير في المستقبل، يهمها فقط أن تخرج قهقهتها وتنعش روحها بالمرح والضحك. ابتسامتها، غطت حزنها، ونظاراتها محت ماضيها، إلا أنه لابد أن يعود يوما، ويدق باب الذاكرة بكل قوة، ويذكرها بما تحاول في كل مرة نسيانه، فكما قالت أحلام مستغانمي، الكاتبة والشاعرة الجزائرية إن الذكريات لا تموت، هي تتحرك فينا، تخبو كي تنجو من محاولة قتلنا لها، ثم في أول فرصة تعود وتطفو على واجهة قلبنا فنحتفي بها ضيف افتقدناه منذ زمن بعيد، ومر يسلم علينا ويواصل طريقه.قد تواصل الذكريات طريقها بعد أن تزور أمي زهرة، لكن لابد أن تترك لها ما يذكرها بها. فتارة تترك ما يبكيها ويغيب ابتسامتها، وتارة أخرى يجعلها تحن إلى الماضي، وتتمنى أن تعود عقارب الساعة 30 سنة مضت، وتعيش التفاصيل ذاتها، وتصلح تفاصيل أخرى. لكن الواقع غير ذلك، وأن عقارب الساعة لا يمكن أن تعود يوما، وأنا بعد كل ما عشته مي زهرة، هي اليوم بلا حنين ولا رحيم.أبرز شيء تتذكره المرأة، يؤلمها ويحزنها، هجرة ابنها الوحيد إلى الديار الأوربية بعد أن تركها تعاني الوحدة والفقر، سيما أنها كانت تخيط من اجل توفير مصروف يومها قبل أن تترك ذلك وتقرر مساعدة بعض العائلات في التنظيف. سافر ووعدها بأنه سيتكلف بها وسيعوضها عن ما عانته من أجلها، مؤكدا أنها تستحق ذلك، لأنها ربته ورفضت أن تتزوج غير والده الذي تركهما وعمره لا يتعدى 6 أشهر، إلا أنه نسي ما وعدها به وظلت تنتظر وعوده سنة بعد سنة بعد سنة، دون فائدة «مللي مشى ما عمرو تفكرني ولا صيفط لي حتى مائة دريال، نسى واش عندو مو خلاها في المغرب». الأم تلوم ابنها، لكن لومها له لا يشبه لوم الأم الحنون، ربما لأنها تخلت عن حنان الأم وعوضته بأشياء أخرى، والأسباب كثيرة على حد تعبيرها. فكيف لأم أن تقول عن ابنها المتوفى، نعم المتوفى في ظروف غامضة رفضت أن تسأل حتى كيف مات: «يخلصوا الله على للي دارو فيها» وأنها «نسات قبل ما تسمع خباروا أن لها ابنا». ولكن كيف أيضا لولد أن يتخلى عن أمه عانت وذاقت المر على حد تعبيرها، من أجله، وأن يحرمها حتى من أن تعرف أخباره؟ معادلة قد يعتبرها الكثيرون «فارغة» ولا حل لها، لكنها من الواقع، وتفاصيلها عاشتها ومازالت تعيشه أمي زهرة.تعترف الأم أنها في الوقت الذي علمت أن ابنها الشاب توفي في ظروف غامضة، لم تتأثر ولم تذرف دمعة واحدة، كيف لها أن تبكي، وهي التي بكت الكثير عن فراقه، ولا أحد بجانبها يسمح تلك الدموع. تقول إنها إلى حدود الساعة، لم تتأثر قط عن وفاته، لكن هل ما تقوله صحيح؟ وأنها فعلا نسيت أنها أم، وأن كل تلك الأحاسيس التي منحها الله لها تلاشت ومضت دون عودة، صحيح أنه كلما تذكر المرء الجرح تكبر أكثر فأكثر، لكن أن تقسو الأم على ابنها، الذي لا تعرف ظروفه ولا المانع الذي دفعه إلى عدم الاتصال بها، يصعب تصديقه. إيمان رضيف