زنقـة كامـي دي مـولان ظلت أماكن وفضاءات موشومة في أذهان المغاربة، لأنها أرخت لوقائع أثرت لسنوات في مسار البلاد، ارتبطت بأحداث كان لها تأثير على الأوضاع السياسية والأمنية للبلاد. في الحلقة الأولى نقف عند قصر الصخيرات يتذكر الاتحاديون الذين عايشوا الصراع السياسي الذي عرفه المغرب خلال سبعينات القرن الماضي، والذي عرف بسنوات الرصاص، بكثير من الحزن وقائع وأحداث زنقة "كامي دي مولان"، ففي ذلك الخميس الذي وافق 18 دجنبر 1975، وفي هذه الزنقة التي تحول اسمها اليوم إلى شارع المسيرة، والموجود يتقاطع مع شارع الزرقطوني بمنطقة المعاريف بالبيضاء، وقع ما لم يكن في الحسبان، فقد تم اغتيال عمر بنجلون.في ذلك اليوم، وحوالي الساعة الثالثة والنصف زوالا، قتل عمر بنجلون القيادي في صفوف الاتحاد الاشتراكي ونقابته الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، كان بنجلون عائدا من مقر جريدة المحرر، على متن سيارته رونو 16 ، غير بعيد من منزله الكائن برقم 19 زنقة كامي دي مولان. لقد نزل عمر بنجلون من سيارته، قبل أن يوقفه شخصان مدا له يديما للمصافحة، فرد عليهما بالمثل، فهو لم يكن يضمر العداء لأحد، وكان مستعدا في أي وقت لمقارعة الحجة بالبرهان... في تلك اللحظة، توقفت عقارب الساعة عن الدوران، بعدما خر عمر مضرجا في دمائه، بعد تلقيه ضربة في رأسه من الخلف، بقضيب حديدي سميك، وطعنة غادرة في القلب، ليسقط عمر قرب سيارته البيضاء، والدم ينزف من صدره، وتكتب صفحة جديدة من تاريخ الصراع السياسي في المغرب.كثير من الشباب المغربي لا يعرف سر تلك الصورة التي تزين جريدة الاتحاد الاشتراكي منذ أول يوم من صدورها والتي كتب عليها شهيد صحافة الاتحاد الاشتراكي.كثير من سكان العاصمة الاقتصادية عاينوا في ذلك اليوم الجريمة، عاينوا عمر بنجلون ملقى على الأرض، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة إلى أن أسلم الروح لباريها.في تلك الزنقة التي ستصبح واحدا من أرقى شوارع العاصمة الاقتصادية كتب الاتحاديون تاريخه من جديد، وربطوه بمقتل بنجلون الذي تحول إلى رمز اتحادي.بعد تنفيذ الجريمة، انطلق من اقترفوها فارين، فلحق بهم بعض المارة... وزاد رجل الأمن من سرعة دراجته لملاحقة أحد المنفذين... وتمكن من إلقاء القبض عليه على بعد مسافة قليلة من مكان الجريمة، لكن بعد فوات الأوان، فقد مات عمر وانتهى نضال رجل غيبه الموت قبل ذلك بسنوات حين حكم عليه مرات عديدة بالإعدام، وكما قال أحد الاتحاديين، فقد تأجل الحكم إلى حين، لكنه أبدا لم يسقط. التحق عمر بنجلون بالرفيق الأعلى إثر طعنة قاتلة بالشارع، وفي عز الظهيرة، هكذا انتشر الخبر كالنار في الهشيم، وتحولت الدارالبيضاء إلى مأتم كبير، الكل كان يتلقى العزاء في وفاة بنجلون المناضل والثائر ورفيق المهدي بنبركة، لكن هل أميط اللثام عن حقيقة مقتل بنجلون.كثيرون يعتقدون أن الحقيقة ما زالت مغيبة رغم مرور 36 سنة على حادثة الاغتيال الغامضة، والتي تجهل دوافعها. وظل السؤال الذي يطفو إلى السطح في كل آن وحين، هو من قتل عمر؟؟كل إفادات أحمد سعد ومصطفى خزار اللذين نفذا العملية، أشارت إلى أنهما تلقيا تعليماتهما من المدعو عبد العزيز النعماني، المحسوب على الشبيبة الإسلامية، بقيادة عبد الكريم مطيع الذي ما زال يقيم حتى الآن في ليبيا، بعدما صدر في حقه حكم الإعدام في مقتل بنجلون.لقد كان عمر بنجلون يهدف إلى خلق مناعة مبدئية لدى المناضلين ضد ما يسميه التسيب والتحريف، حتى لا تتحول المبادئ إلى مجرد شعارات للاستهلاك المناسباتي توقع بها شيكات السمسرة والارتزاق السياسي.وبقدر ما مثل اغتيال بنجلون لحظة ألم لكل المناضلين شكل لحظة من لحظات سيرة هذا الوطن، وهو ينسج فضاء تاريخه الآتي ... إنه نقطة لها دلالتها ضمن دائرة أوسع في إطار الصراع الذي خاضه الاتحاديون بشكل خاص ضد قوى النهب والاستغلال، المدعومة من طرف القوى الامبريالية المعادية لحق الشعوب في الحرية والكرامة. عبد الله الكوزي