الغايات تتوزع بين فك "العكس" و"تطويع" زوج و"تيسير عمل" قصدنا (والمقصود الله) سوق «الجميعة» في قلب درب السلطان. براريكه ضيقة ومهترئة. روائح كريهة تزكم الأنوف. الأزبال منتشرة في كل مكان. الجيف المحنطة تتدلى من على مداخل البراريك الضيقة (أو العراكات لدى من يكثرون أو يكثرن من التردد على هذه الفضاءات الشيطانية). الهياكل والريش والفرو والجلود المختلطة بالملح تنبعث منها روائح مقززة تبعث على الغثيان أو القيء في هذا الجو الغائم والحار. الجيف المحنطةالسوق يعج بالنساء المتزوجات منهن والعذروات. العجائز بدورهن هنا. يتنقلن من براكة/محل إلى آخر. نظراتهن مشوبة بالحذر والتوجس. يعبثن بمحتويات علب بلاستكية معروضة أمام المحلات. يقلبنها بين أيديهن وأحيانا يمددنها إلى أنوفهن ليشتممنها. الباعة بسوق «الجميعة» يتسابقون على الوافدين. «دْخُل أ خويا..تفضل تفضل»، يتوجه أحد الباعة، بأكبر سوق للعطارة والبخور ومستلزمات السحر والشعوذة بمدينة الدار البيضاء، إلى أحد المارة بمسالك السوق الضيقة والمتربة والمنثورة أزبالا. المار لا يعير لكلام «العطار» اهتماما ويواصل طريقه. يعود العطار، ذو القامة القصيرة يبدو في بداية سنوات شبابه، إلى تثاؤبه بعد أن اقتعد كرسيا خشبيا أمام محله الضيق والمليء عن آخره بربطات الأعشاب الجافة والخضراء، وفراء الثعالب والذئاب، والجيف المحنطة لـ»الضبة» والظباء (إناث الغزلان) والفئران والسحالي والقنافذ وجلود أخرى يرفض «العطار» أن يواصل سرد أسمائها على مسامعنا، في دردشة مع «الصباح». يتوقف عن الكلام «المباح». يصمت برهة غير يسيرة، وتبدو على ملامح وجهه علامات التوتر والشك والريبة. تستفزه أسئلتنا عن من يقبل على اقتناء ما يعرضه العطارون وفي ماذا يستخدمونه وهل لديهم وصفات جاهزة للذين يقصدونهم لفك طلاسم «عكس» أو «دْيار» أو «سحور» مدفون في عتبة ما، أو أسفل جدار ما أو في ركن ما...»سير الله يسهل عليك أ خويا»، يقول بنبرة مضطربة، وكأنه يخشى شيئا عفريتا سيثب إليه من جوف جيفة واحد من الحيوانات المعلقة.أغلب العطارين بمحلات سوق «الجميعة» المفتوح طيلة أيام الأسبوع، تراودهم الشكوك عندما تطأ قدما رجل السوق، فيرتابون ويداخلهم الخوف، ونادرا ما يتجرؤون ويسألون زبونا عن غايته، أو يحاولون استمالته ليقتني بعضا مما يعرضون من المواد ذات الألوان والأسماء الغريبة «الساكتة، الداد، الحديجة، كرنوطة، اللدون، الذبابة الهندية، وبيض الحرباء، رؤوس الكلاب والضباع وأظافر الهدهد، وعنب الثعلب (التوت البري)، ورأس الغراب المحروق، وبيض الغول، وشدق الجمل (وهي أعشاب شديدة السمية)، والرهج (معدن كروي الشكل أصفر اللون)، وأظافر الموتى، ودم حيض البكر، وماء غسل الموتى ...»، مجرد ذكر هذه الأسماء يثير الرعب في النفوس.ننتقل إلى محل قرب الأول الذي استنكف صاحبه عن الكلام. صاحب المحل منشغل مع امرأة تسأله حول بعض المواد والغرض من استعمالها «أنا غير مسخرة»، تجيب المرأة العطار بعد أن سألها عن سعيها من وراء مواد كانت تشير إليها فقط بسبابتها. نغتنم الفرصة ونقترب من صبي يعمل بمحل العطار الذي يبدو أكثر شساعة من المحل الأول والمحلات التي ألقينا عليها إطلالة.«والعيالات (يقصد النساء) ديما كايجيو هنا» يقول الصبي بصوت خفيض ممتزج بالكثير من الخجل. «ولكن في الأيام التي تسبق ليلة سابع وعشرين رمضان يكثر إقبالهن على المحل»، يضيف الصبي، الذي يلتفت بين الحين والآخر ليرى إن كان صاحب المحل يتطلع إليه. صاحب المحل مازال منشغلا مع المرأة التي تمسك بين أصابع يديها شيئا مغلفا بقطعة ورق بيضاء. «أش خاصك أللالة»، يقول الصبي مخاطبا امرأة توقفت لتوها أمام المحل تقلب بين يديها ربطات أعشاب خضراء بدأت تذبل. ينسحب الصبي متجها صوب المرأة التي تضع نقابا أسود يخفي وجهها، ولا تظهر منه إلا عينان ضيقتان تحيط بهما التجاعيد. روائح الجيف النتنة والباعثة على الغثيان تزداد حدة مع أشعة شمس ما بعد الظهر الحارة. تغادر المرأة التي كانت في حديث مع صاحب المحل، الذي تحمل نظراته إلى «الصباح» الكثير من الشك والريبة.ورثة الجهل وبائعو الوهم «كاين شي ما نقضيو»، يقول العطار بنبرة مرتابة ومتوجسة. «أش كيديرو بهاد الشي؟»، «كيطيبو بيه» يجيب العطار بنبرة فيها الكثير من السخرية، وهو يحول إناء بلاستيكيا محكم الإغلاق بداخله مسحوق بني اللون من مكانه ويضعه بقوة فوق رف خشبي مزدان بالقوارير الزجاجية والبلاستيكية. «وهادي لاش كاتليق؟»، «هاديك كاتداوي المعدة والمرض الخايب (يعني به مرض السطان)». وهادي...» لا يدعنا نتم سؤالنا، ثم يقول «خويا سير الله يعاونك هاد الشي ما يليقش ليك، وما عند الصحافة ما دير بهاد الشي، سير الله يعاونك»، ثم يوجه الخطاب، بنبرة حادة ومنفعلة، إلى الصبي الذي يشتغل بمحله «أجي دخل لهنا».على جنبات المسلك الذي يخترق سوق «الجميعة» ينتصب المزيد من المحلات التي يستعملها أصحابها أوكارا لترويج مواد يدخل معظمها في وصفات السحر والشعوذة، سواء منها التي تستعمل في «التوكال» أو التي «يبخر بها» المسحور بغرض طرد جن يسكنه أو لجعله يلتفت إلى فتاة مغرمة به، أو تستعمله امرأة متزوجة لإخضاع وتطويع زوجها أو الحيلولة دون تطلعه إلى امرأة أخرى...الغايات عديدة ومتنوعة وسوق «الجميعة» يوفر كل الأسلحة «الفتاكة» القادرة على تمكين ذوات النفوس الضعيفة من غاياتهن.على واجهات هذه المحلات تتدلى المزيد من الجيف، ووسط أحدها انتصبت جيفة ظبي صغير محنطة يخيل للناظر إليها أنها حية ترزق. ومن أعلى البراكة تتدلى فراء الذئاب والثعالب وقرون الغزلان وجلود القنافذ الشائكة، والسحالي المحنطة التي استحال لونها الأخضر إلى لون خليط بين الأسود والبني. النسور بمناقرها المعقوفة بدورها تتدلى من سقيفات البراريك. جيف النسور بأحجام مختلفة، كبيرة وصغيرة ومتوسطة. أجواف النسور تم انتزاعها. نسر صغير الحجم مقيد من قائمه الأيمن. شكله الوديع وهزالته تقولان إنه يعاني فقرا غذائيا. مصير النسر المسكين لن تحسمه إلا حمقاء شمطاء ائتمنت قدرها وطالعها لدى السحرة والدجالين يبيعون الوهم منمقا في كلام ينز أحلاما ورديا، نادرا ما يقف الحظ إلى جانب مروجيها فيتحقق بعضها، لكن الفضل يحسب في ميزان أفعالهم النكراء. في ليلة سابع وعشرين رمضان من كل سنة تبلغ طقوس السحر والشعوذة ذروتها، حتى ليخيل إلى المرء أن باعة الوهم والمشعوذين صار لهم بين عشية وضحاها عصا موسى السحرية يهشون بها على مأسي الجاهلين والجاهلات فتتناثر كالهباء كأنها لم تكن. اليائسات من العوانس هن فرائس سهلة للدجالين والسحرة يعدونها أقفاص الزواج الذهبية، ويمنونهن شهر عسله. العاقرات من المتزوجات لا يحدن عن القاعدة وبدورهن «يعتبرن» لقمات سائغة للقدرات الخارقة والمعجزات التي يدعي الدجالون المقدرة على الإتيان بها، فيعدونهم البنين والبنات.. وما هم فاعلون. ضحايا خرافة «التقواس» أو العين يذهبون بأقدامهم إلى أوكار خفافيش الجهل والرجعية يطلبون الرقى والتعاويذ تصرف لهم ما كتب الله لهم وتحميهم مما قدر عليهم. يعتقدون في قرارات أنفسهم أن بشرا، مثلك ومثلي، قادر على خرق ما سطر في الكتاب المحفوظ ..وما هم إلا ضحايا نظام تعليمي فاشل ومفلس، أورثهم الجهل وبذر في أنفسهم الإيمان بالشعوذة والسحر والدجل، ورثوه وسيورثونه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ليلة القدر.. يصومها الأطفال وتؤثثها البخور الموروث الثقافي الشعبي يقول إن الأسر المغربية دأبت على أن تغتنم فرصة حلول ليلة القدر، التي استقر إجماع السلف والخلف على أنها تحل ليلة السابع والعشرين من الشهر الكريم، لدفع الأطفال إلى أن تدشنوا أول صومهم في يوم هذه الليلة. وإمعانا منها في تشجيع الأطفال على خوض غمار الصوم لأول مرة تقوم الأسر بإعداد أجواء احتفالية، يتخللها تهييء أطباق اللذيذ من المأكولات والطيب من الحلويات، ويتزيا فيها الطفل أو الفتاة بأجمل الحلل التقليدية من جلابيب أو قفاطين وطرابيش ونقش بالحناء.ليلة القدر، التي هي «خير من ألف شهر»، مصداقا للآية القرآنية الكريمة، تعد لها الأسر المغربية طقوسا وأجواء خاصة تغطيها روائح البخور الزكية. فللحصول على هذه الروائح الطبية لابد من «الجاوي» ثم «عود القماري»، الذي يوضع بمجامر بها القليل من الفحم الملتهب، فينثر أو يذر فوقه ويترك ليحترق على نار هادئة، ومباشرة بعد بدء احتراقه تتناوله الأمهات فيطفن به البيت ركنا ركنا، إيمانا منهن أن ملائكة الرحمان حلت بأرجائه في هذه الليلة المقدسة، واعتقادا أنه يطرد كل الأرواح الشريرة ويستتب السكون والطمأنينة في نفوس قاطني البيت...وعلم كل ذلك عند علام الغيب. فالعطارون تنتعش تجارتهم في العشر الأواخر من رمضان، إذ تقبل النسوة بشكل مكثف على اقتناء كل صنوف البخور، وتنتشر في الأحياء والأزقة والأسواق عربات العطارين الذين تجد روائح البخور الفواحة والعطرة في كل بقعة من محيطهم. ليلة القدر التي تتنزل فيها الملائكة بإذن رب السماوات تسجل كذلك إقبالا منقطع النظير على بيوت الله. فيقضيها العباد في التهجد بآيات الذكر الحكيم صلاة وذكرا. في هذه الليلة يولي المغاربة اهتماما بالغا للمساجد فيتعهدونها بالرعاية والترتيب بالتنظيف والكنس و"التبخير"، واقتناء زرابي جديدة لها. هذه الليلة تعرف إخراجا واسعا لزكاة عيد الفطر وتنظيم حلقات تدارس الدين وشرح مقاصده وتفسير محكم آياته. محمد أرحمني