موسى: الذكريات كل ما تبقى لي «كل ما لعبتو المعزة فقرون الجبال كتخلصو فدار الدباغ»، و»الأيام بدالة ودوارة» و»كوليني يا موكة حتى الطيور عافوني»، هي أمثلة شعبية مغربية، تنطبق على الكثير من المغاربة وجدوا أنفسهم بدور العجزة ينتظرون لحظة تجمعهم بعائلاتهم، وآخرين ينتظرون اللحظة التي يغادرون فيها حياة أعطتهم الكثير وحرمتهم من المهم في سن يحتاجون فيه إلى جرعة حنان وبسمة أمان. ينتظرون هناك، وكلهم أمل في أن يأتي من يخرجهم وينقذهم من الحزن وألم الوحدة، لكن لا حياة لمن ينادون. «الصباح» ترصد قصصا لأناس هرموا من أجل لحظة تجمعهم بأطفالهم. الابتسامة لا تعود إلى موسى، والأحزان لا ترتمي وراء ظهره، والندم لا يختفي من حياته، إلا إذا تذكر لحظات من حياته مضت وتركت آثارا مازالت واضحة، تعود في كل مرة وتزيد من حدة آثارها.هي الذكريات التي تنسيه أحزانه وآلامه، وتشفع لأخته التي وضعته بدار العجزة بدعوى أنها لا تقوى على تحمل مصاريف علاجه، هي ذاتها التي تزيد صبره لينتظر لحظة لقائه بأطفاله. بابتسامة خفيفة، مسحت الدموع، يحكي موسى كيف التقى زوجته لأول مرة، وكيف تولد ذلك العشق لينجب أطفالا.يقول إنها كانت صديقة أخته قبل أن يعجب بها وتعجب به، مؤكدا أن الإعجاب كان متبادلا بينهما»كنت كنضور معاها بحال أختي، وشحال من مرة عطيتها عشرة ديال ريال...». وقبل أن يكمل التفاصيل لقائهما، قال إن حماس الشباب، جعلهما يفكران في مغادرة المغرب والاستقرار في إحدى المدن الأوربية، إذ اشتغلا في مطعم صغير «تركنا الأطفال في المغرب واشتغلنا في المهجر من أجل توفير ما نحتاجه ويحتاجه أطفالنا، إلا أنها لم تستحمل بعدها عن أطفالها، فقررنا العودة إلى المغرب». وبقهقهة صغيرة يضيف الرجل «كانت تخبئ اشتياقها لأطفالها لأنها ترفض أن تعود إلى المغرب دوني، فهمتها ودرت لها خاطرها ورجعنا بجوج»، ويضيف «ما سخاتش بيا وبولادها».وفي الوقت الذي عادا إلى المغرب، بحث كل واحد منها عن عمل يساعدهما على تربية أطفالهما، فتمكنت هي من الحصول على منصب بشركة، فيما هو اضطر إلى اشتغال صباغا، «رغم أن راتبها كان أكثر من راتبي إلا فإنني لم أحس يوما بالفرق، وكنا نتعاون في ما بيننا من أجل توفير ما نحتاجه دون مشاكل، حتى بدأت في التفاقم أكثر فأكثر وعجزنا عن التحكم فيها». وفي ما إذا كان مدمنا على المخدرات والكحول، قال موسى إنها ذلك لم يكن له تأثير يذكر، ربما كان يرى أن التأثير لم يكن، في حين أن زوجته، ربما ملت وتعبت من تصرفاته، سيما أنه كان يشرب الخمر ويلعب القمار.هي ذكريات، ستظل مع موسى ولم يمحها الزمن، وحتى إذا عاد واجتمع مع أطفاله، سيحكيها لهم، وربما الدموع ذاتها ستزوره لتؤثث حكايتهم. الكثير من الأشخاص، سيما الذين يتعاطون شرب الخمر ويمارسون القمار، يعانون عددا من المشاكل سواء كانت عائلية وقد تصل إلى بعض الأوقات إلى مهنية، إلا أنهم لا يعترفون بذلك، حتى إذا كانوا بداخلهم متأكدين كل التأكيد أنهم هم بأيديهم ضمروا حياتهم، وتسببوا في الطلاق وحرموا في أحيان كثيرة من أبنائهم، لكن وعيهم في تلك اللحظة كان في عطلة، وقد يعودون إلى رشدهم بعد فوات الأوان، وهذا ما عاشه موسى وما لا يقوى على تأكيده.قبل أن يكمل حديثه، توقف مضطرا بسبب الدموع التي غمرت عينيه المحمرتين، عجز عن الكلام مرة أخرى، وعجز عن إفراغ ما في داخله، بسببها أيضا، ويكرر مرة أخرى «الطمع، الطمع، الطمع... هو للي خرج عليا».لا يقوى موسى على لوم طليقته، لأنها تزوجت غيره وغادرت بعيدا عن المغرب، ولا يلومها لأنها أبعدت أطفاله عن في الوقت الذي يحتاجهم، مؤكدا أنها فكرت في مستقل أطفالها، وأنها حاولت أن تعوضهم عن الحرمان الذي عاشوه وهم بعيدون عنهم. إيمان رضيف