جامع لفنا ... مسرح شعبي ومطعم عالمي تعد ساحة جامع لفنا القلب النابض لمدينة مراكش، ومخزونها الثقافي الذي نسجت خيوطه عفوية أبنائها على امتداد تاريخها الطويل. لا أحد يعرف كيف بدأت ومتى ستنتهي وحده القدر ووحدها الصدفة يجعلانك تقف في هذه الحلقة دون سواها. شكل جامع لفنا على مر العصور، بالإضافة إلى الحركة الاقتصادية التي تميزها مسرحا كونيا لتقديم كل أنواع الفرجة وحلبة صراع وتحدي بين الرواة في سرد سير الأنبياء والأولياء من الأزلية والفيروزية فالعنترية وألف ليلة وليلة.وقد أجمع شيوخ الحلقة على أن جامع افنا يعتبر المحك الذي يختبر فيه الحلايقي قدراته الفنية، ومن لم يستطع أن يقيم حلقته في ساحة جامع لفنا لا يمكنه أن يكون حلايقيا. تحتل ساحة جامع لفنا مكانة مرموقة في حياة المواطن المراكشي، إذ ساهمت بشكل أو بآخر في تكوين عاطفته وخياله إلى جانب البيت والمدرسة، فهي جزء من كيانه قضى بها لحظات ممتعة علمته الكثير ويرجع إل يها بين الفينة والأخرى. رغم التحولات المجالية والاقتصادية التي خضعت لها الساحة لم تفقد شيئا من بريقها وحيويتها فلا زالت هي المركز العاطفي لمراكش الكبرى ومنطقة التقاء أبنائها. تمارس الساحة على الأجانب سحرا كبيرا، إذ يقعون بسرعة تحت تأثيرها، فيشتد الإعجاب ليصبح هياما أمثال ( جيروم تارو، إلياس كانيتي، خوان غويتصولو ).تمثل جامع لفنا ذاكرة مراكشية أساسية، فقد وصف أرثر كولستر الكاتب الإنجليزي مراكش بأنها بغداد الغرب وعدن إفريقيا وتنبض فيها بالحياة ليالي ألف ليلة و ليلة، واعتبر جيروم تارو جامع لفنا ساحة غريبة تأسر الزائر وتشده إليها وكأنها كتاب مفتوح لا يمل من قراءته. أما إلياس كانيتي، فقد أغرم بتنوع الحلقات الشعبية وحيوية الألوان والناس، في حين أقر كارلوس فوينتيس أنه حين يدخل إلى الساحة يحس أن التاريخ رجع به إلى الوراء خمسين سنة. أما العربي المساري، فيحكم على جامع لفنا أنها متحف من مغرب غابر آهل بالمجاذيب تسكنه الخرافة والشعوذة،في حين يرة خوان غويتيصولو أنها ساحة الفنون الشعبية الأصلية. تعد الساحة الذاكرة النابضة لمدينة مراكش ومخزونها الثقافي والحضاري الذي نسجت خيوطه عفوية أبنائها على امتداد تاريخها الطويل. لا أحد يعرف كيف بدأت ومتى ستنتهي وحده القدر ووحدها الصدفة يجعلانك تقف في هذه الحلقة دون سواها، تيار غريب يجعلك تنتقل من مكان إلى آخر عبر الساحة مأخوذا مذهولا بروعة المكان الذي يمتد مسرحا عفويا يستلهم ديكوره من عفوية الحياة وبساطتها، بينما أبطاله ينصهرون بشكل تلقائي في تقمص أدوارهم، هذا يفترش الأرض عارضا بعض الزواحف المحنطة، والآخر يقفز وسط حلقة بشرية متخطيا كل الحدود، مشاهد متنوعة تتفجر في دواخلك سيلا لذيذا يسري بك إلى عوالم لا تدرك حدودها، وقبل أن تنسحب مكرها وأنت تتلفت وراءك يكون الفضاء قد أسرك وسرق لبك، وجعلك تقول في نفسك دون أن تدرك وقع الكلمات إنك لا بد عائد يوما إلى جامع لفنا.أجيال من الرواة منهم من رحل ومنهم من لا يزال على قيد الحياة يصارع المرض على الرغم من أن أفق الحلقة معروف في العديد من المناطق، إلا أن مراكش تعتبر مهده وقد أجمع شيوخ الحلقة على أن جامع لفنا يعتبر المحك الذي يختبر فيه الحلايقي قدراته الفنية ومن لم يستطع أن يقيم حلقته في ساحة جامع لفنا لا يمكنه أن يكون حلايقيا. إن ما تقدمه جامع لفنا من مشاهد الفرجة جعلها تنفرد بنوع من الغرائبية، ليجدها روادها مهرجانا شعبيا بامتياز من يلجها عليه أن يترك منطق الأشياء، لأن كل المتناقضات ستتراءى أمام عينيه، وهي تتوحد مكونة مزيجا سحريا يكون من الصعب الإفلات من قبضته، سيجد الكناوي في تناغم مع العيساوي بالقرب منهما الحوزي بجوار السوسي، دق طبول أو دفوف، وكلها تتحد لتعزف سمفونية غاية في الروعة لن يتوخى سماعها إلا في جامع لفنا، بينما تقف الكتبية بعيدا تراقب المشهد كأنها مايسترو هذه الفرقة العفوية التي لا تمل ولا تكل.تتجول الأوربية بلباسها المتحرر جنبا إلى جنب مع المراكشية بخمارها الأسود، هذه الأخيرة تحول سائلا أخضرا لزجا إلى رسوم تخطها على الذراع، والكف وشما مؤقتا تحمله الأوربية إلى بلدها كتذكار وخدر الساحة لا يزال يلازمها.في الساحة مطاعم شعبية متنقلة تجلب روائح أطعمتها الشهية وتجبر عبارات الترحيب التي تتقاطر على ألسنة أصحابها الزائر على تذوق طنجية مراكشية أو بعض من "باولو " هذه الأكلة التي سرقت اسمها من صاحبها الذي يبرع في تحضيرها حتى نسبت إليه وهي عبارة عن لحم الرأس حين ظهرت قبل أن تنضاف إليها أجزاء أخرى من اللحم، فيما بعد أطعمة مختلفة توحد جميع الأذواق وتذوب كل الفوارق. محمد السريدي ( مراكش )