الطريقة الكتانية... مدرسة علمية صوفية سنية تعاظم نفوذ الزوايا بالمغرب، رغم التحولات التي عرفها البلد في اللحظة المعاصرة، ما يؤشر على مدى تجذرها في المجتمع، والارتباط القوي للعديد من الناس بها.وانتشرت الطرق والزوايا على فترات متلاحقة في المغرب، إلى درجة أنه لا تكاد تخلو منطقة، قريبة أو نائية، من زاوية تأوي ضريح ولي صالح، يشكل مزارا للعديد من الناس. ولعبت الزوايا أدوارا معقدة، دينية(روحية)، ووطنية، (الجهاد ضد المستعمر)، ونفسية (البركة وطلب الاستشفاء من الأمراض). ورغم التحولات التي عرفها المغرب، سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، طيلة مراحله التاريخية المختلفة، فإن الزوايا شكلت مجالا لاستقطاب الزوار الباحثين عن الطمأنينة الروحية، من خلال التعبد، أو الراحة النفسية.يقول «ميشو بيلير»، إن الطوائف الدينية اضطلعت بدور كبير في تاريخ الإسلام، خاصة في منطقة شمال إفريقيا، مشيرا، بهذا الخصوص، إلى تأسيس الدولتين المرابطين والموحدية، ومذكرا بوجود صعوبة في تحديد من كان وراء جلب المذاهب الصوفية إلى المغرب لأول مرة، انطلاقا من الشرق، مبرزا أن تلك المذاهب دخلت إلى المغرب ابتداء من القرن الرابع الهجري. بمناسبة شهر رمضان ، تسلط « الصباح» الضوء على أهم الزوايا المعروفة بالمغرب، والتي تستقطب أعدادا كبيرة من الناس، مع التركيز على سياقها التأسيسي، ومنهاجها التربوي والروحي... تعتبر الطريقة الكتانية من بين أهم الطرق الصوفية بالمغرب، إذ تستقطب أعدادا كبيرة من المريدين والأتباع، ولها عدة زوايا، موزعة في مختلف مناطق المغرب، خاصة في المدن الكبرى، مثل فاس، والدار البيضاء، وسلا، وتطوان، وطنجة. وتصف الطريقة الكتانية نفسها، بأنها مدرسة علمية صوفية سنية، أسسها، الحافظ الحُجة، أبو الفيض الشيخ المجدّد سيدي محمد ابن جبل السنة المحدث الأشهر، سيدي عبد الكبير الكتاني، منذ ما يزيد عن قرن من الزمن. وتؤكد الطريقة أنها تستلهم أركانها، ومعالمها الصوفية من القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، استنباطا من قول الله تعالى :"وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا لنفتنهم فيه، ومن يعرض عن ذكر ربه نسلكه عذابا صعدا". وتعمل الطريقة على حث مريديها وعامة الناس، على التحلي بأخلاق القرآن الكريم، وبالشمائل النبوية، وفعل الخيرات، وحسن المعاملة، والإخاء، والكلمة الطيبة.وشُيدت الطريقة الكتانية، بحسب ما يؤكده موقعها، على الاستقامة والتوبة، والتقوى، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، جاعلة من العقيدة الإسلامية الوسطية، والتربية الروحية، والهداية الأخلاقية، والترقية السلوكية، وتجديد الفقه الإسلامي عمودها الفقري، ومن الوفاء لثوابت الأمة عقيدة، ومذهبا، وسلوكا، روحيا وولاء لإمارة المؤمنين، هدفها الأسمى، سيرا على منهج التصوف السني المتشبث بالسنة النبوية الغراء.وتقوم الطريقة على أركان هي التوبة ومداومة الاستغفار، والتقوى، بامتثال لما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه ظاهرا وباطنا. ومن أركان الطريقة التماس المعاذير لجميع عباد الله، والنظر بنظرة التعظيم لسائر المخلوقات.وترتكز الطريقة الكتانية على مجموعة من العهود، تتعلق بتمتين رابطة الأخوة، والمودة، والتعايش، والتعاون بين الناس، والاجتهاد في أداء الصلوات في أوقاتها، وقراءة أوْرادِ الصلاة في كلّ وقت من أوقاتها، والمُذاكرة والإرشاد بالزاوية صباحاً ومساء، بعد تلاوة حِزْبَيْن من القرآن الكريم، والإقلاع عن الأوهام وسوء الظن بالله، والرسول الكريم وأوليائه الصالحين، والمواظبة على الكسب الحلال، والعمل الصالح، واشتغال كل امرئ بما يعنيه، إلى جانب التمسك بمكارمُ الأخلاق، والتحلي بالشمائل النبوية، بأن يصل المرء من قطعه، ويعفُو عمَّن ظلمه، ويعطي من حرمَه.ودأبت الطريقة الكتانية على الاحتفال كل سنة، بمختلف زواياها، بموسمها السنوي، الذي يتزامن مع احتفالات عيد المولد النبوي الشريف.وتؤكد الطريقة أن احتفال الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها بهذه الذكرى المجيدة على رأس كل سنة، هو من أجل التذكير بالمثل العليا للإسلام، ومعانيه السامية، والحث على مراجعة الأمة الإسلامية لسيرتها الذاتية، ومعاملاتها وأخلاقياتها، وتجديد إيمانها بهدي القرآن الكريم، والتحلي بالشمائل النبوية، تماشيا مع روح العقيدة الإسلامية الوسطية، تجسيدا لقول الله تعالى: “ لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر”. عُرف الشرفاء الكتانيون بحرصهم الشديـد على نسبهم ، ونالوا أكثر من ثلاثين رسما، تثبت نسبهم منذ الزمن المريني إلى الآن، ضمن جلها الشيخ جعفر بن إدريس الكــتـاني ( 1323/1904) فـي كـتـابه المـخـطـوط “الرياض الربانية في الشعبة الكتانية”. وقد حافظوا عليها جيلا بعد جيل، فمن الشيخ جعفر الكتاني انتقلت لنجله الشيخ محمد بن جعفر الكتاني، ومنه لأخيه الشيخ أحمد بن جعفر الكتاني، ومنه للشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني. وتتوزع الطريقة الكتانية إلى الطريقة الكتانية المحمدية، والطريقة الكتانية الأحمدية. أسس الطريقة الأولى الشيخ أبو المفاخر محمد بن عبد الواحد الكتاني بفاس، وهي طريقة مستقلة، مبنية على الكتاب والسنة، مستغرقة في الذات المحمدية من حيث التخلق بشمائله صلى الله عليه وسلم، والتعرف على سيرته الزكية، والتبحر في معرفة السنة النبوية وكتب الحديث، ومن استغراق أتباع هذه الطريقة في السنة النبوية أن كتب الحديث كانت تسرد وتشرح بها على طول السنة. ولهذه الطريقة أوراد يومية، متمثلة في الورد اللزومي، وورد السحر وورد للنساء ، ولها أكثر من أربعين حزبا يواظب عليها أتباعها. وهي طريقة مستقلة، انتشرت في فاس وضواحيها. وأهم شيوخ هذه الطريقة، أبو المفاخر محمد بن عبد الواحد الكتاني، وأبـو المكـارم عبد الكبير بن محمد الكـتاني، وأبو المواهب جعفر بن إدريس الكتاني. أما بالنسبة إلى الطريقة الكتانية الأحمدية، فقد أسسها الشيخ أبو الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني، وهي طريقة اجتبائية، جذبية، مبنية على أركان أربعة، هي التوبة، والتزام مقام التقوى، والتماس الأعذار للناس، والنظر بنظرة التعظيم لسائر المخلوقات، وهي تؤمن بأن الإسلام شريعة وعقيدة وأخلاق، بمعنى أنه منهج حياة، وليس طقوسا وحروفا تتلى. وفي هذا السياق، لعبت الطريقة الكتانية، إضافة إلى دورها الروحي، دورا إصلاحيا في المغرب، خلال القرن الرابع عشر الهجري، فكانت أول من طالب بالدستور، ومشروع أول دستور مغربي عام 1906، وكانت سباقة إلى مواجهة الاستعمار الفرنسي. وبادرت الطريقة، خلال نفي الملك الراحل محمد الخامس إلى مكاتبة رئيس الجمهورية الفرنسية وهيأة الأمم المتحدة، تستنكر نفي الملك، وتطالب بعودته، وإعلان استقلال البلاد. جمال بورفيسي