موسى: "اختي سمحات فيا وجابتني لدار العجزة" «كل ما لعبتو المعزة فقرون الجبال كتخلصو فدار الدباغ»، و»الأيام بدالة ودوارة» و»كوليني يا موكة حتى الطيور عافوني»، هي أمثلة شعبية مغربية، تنطبق على الكثير من المغاربة وجدوا أنفسهم بدور العجزة ينتظرون لحظة تجمعهم بعائلاتهم، وآخرين ينتظرون اللحظة التي يغادرون فيها حياة أعطتهم الكثير وحرمتهم من المهم في سن يحتاجون فيه إلى جرعة حنان وبسمة أمان. ينتظرون هناك، وكلهم أمل في أن يأتي من يخرجهم وينقذهم من الحزن وألم الوحدة، لكن لا حياة لمن ينادون. «الصباح» ترصد قصصا لأناس هرموا من أجل لحظة تجمعهم بأطفالهم. الدقائق هنا بدار العجزة، ساعات، والساعات أيام، والأيام سنوات، ولا أحد يأتي لزيارة موسى، وحدها الذكريات والدموع تؤنس وحدته، ويقويان عزيمته، هما الشمعتان اللتان تنيران لياليه المظلمة، لكنهما سيزولان ذات يوم، ويصبح الأب بلا ونيس ولا حنين، ينتظر في الظلام. يقول موسى إنه ذات يوم، بينما كان يعيش في ليبيا، استفاق فوجد نفسه يعاني شللا نصفيا، ودون سابق إنذار، إذ لم يكن يعاني أي أثار مرضية، وجد نفسه في المستشفى بين الحياة والموت «علمت حينها وبعد أن فقدت صحتي أن لا أحد بجانبي»، حتى أخته التي طالما ساعدها على إعانة أولادها، تخلت عنه وأتت به إلى دار العجزة، تحت ذريعة أنها لا تقوى على تحمل نفقاته، وأنه يحتاج إلى العناية التي لا يمكن أن توفرها له. «أختي الوحيدة للي كنت كنقول أنها ما غاديش تخلى عليا، سمحات فيا وجابتني لدار العجزة ...» لم يقو الرجل على إكمال حديثه، فالدموع لم تدع موسى وشأنه، كيف تدعه وهي رفيقة دربه ومؤنسته، كيف تتركه وهي التي حفرت خديه وفرضت قوتها عليه، لن تخذله هي الأخرى وتتركه يتذكر الماضي دون أن تؤنسه، ولن تتخلى عنه كما فعل الآخرون وهو ينظر إلى أبنائه، «اشتغلت في البناء كما في الصباغة، حملت الحجر في ليبيا، دون أن اشتكي، إلا أنني اليوم أشتكي الوحدة والحزن». يحكي الرجل، أن أخته وعدته بأن تقوم بزيارته في كل مرة، وأنها لن تتركه يشعر بالوحدة، إلا أنها أخلفت الوعد، وتركته ينتظرها وينتظر أبناءها في الوقت ذاته، معتبرا أن معاناة الانتظار أصعب بكثير، وأنه لم يكن يعطيها أهمية حتى أصبحت جزءا من حياته. ربما، يكون الرجل، تخلى عن أطفاله وغادر المغرب، تاركا زوجته السابقة وأطفالها، في مواجهة مشاكل الحياة وقسوتها، ربما، قصد أن يتركهم ولم يفكر في ما يمكن أن تفعل الأم بثلاثة أطفال هم في سن حرجة، يحتاجون إلى أكثر من أم، لكنه اليوم يتألم، ويبكي بدل الدمعة سيولا من الدموع، هو يحتاج اليوم إلى «طبطبة» تنسيه آلامه وأحزانه وما عاشه ويعيشه. فمهما كانت الظروف التي دفعته إلى التخلي عن أطفاله، ومهما كانت أسبابه، تافهة أو مقنعة، فعلى أطفاله أن يتناسوا الماضي، وعيش حياة جديدة، فالأب يبقى أبا، ومن واجبه محاولة انتشالهم من الخطر والمعاناة، سيما أنه ندم على ما فعل، وأنه اليوم يشتهي لحظة تجمعه بأولاده. شحب وجهه، واستعمر الدموع خده، لكن ما البديل، فهو انتظار قد يطول أكثر، وقد لا يأتون على موعدهم، ويطول أكثر، وتزيد حدته مع معاناتهم مع المرض «كون بقيت بصحتي ما غاديش يبقى فيا الحال لهاد الرجة، وما غاديش نجي لهنا لدار العجزة، كنت غادي نقد بشغلي، وأنا للي غادي نقلب على ولادي ونتجمع معاهم». ويزيد قائلا:» تعرضت لحادثة وكسرت بسببها ساقي، ما دفعني إلى ترك العمل لمدة 6 أشهر متواصلة، كنت خلالها متشوقا إلى أن أعود إلى المغرب، لكن الظروف لم تكن تسمح بذلك، ومكث هناك إلى أن اندلعت الحرب وأعادوني إلى وطني». إيمان رضيف