الـزنـا فـي الإســلام تنبع أهمية المسألة الجنسية، حسب محمد جلال كشك، من أنها تعكس من ناحية، مفاهيم وأخلاقيات الحضارة والتصور العام لهدف الوجود الإنساني، والعلاقات بين طرفي هذه المعادلة الإنسانية، ولذلك ركز في دراسته "خَواطِر مُسْلِم فِي المَسْألة الجِنْسِيّة" على الفارق الجوهري أو الكيفي بين النظرة الإسلامية للجنس، ونظرة المسيحية الغربية. فكلتا النظرتان تمثل موقفًا حضاريًا متكاملاً ومتعارضًا. كما ركز على دور المسألة الجنسية في المواجهة الحضارية، خاصة في القسم الخاص باللواط. قد يبدو من النظرة السطحية أنَّ مفاهيم الكنيسة الغربية أكثر "عفة" أو تخلق مجتمعًا أكثر عفة من المجتمع الإسلامي - ولكن هذا غير صحيح، لأنها مخالفة للطبيعة. وقد اضطر كبار رجال الكنيسة ذاتهم إلى الاعتراف بالعجز عن "خصي" المؤمنين، ومن ثمّ ترى "قديسًا" مثل توماس الإكويني، الذي يعتبر فيلسوف الكنيسة ومجددها فكريًا، يقر البغاء كوسيلة لمكافحة اللواط، ويقول إنَّ البغاء مثل "المراحيض" إذا ألغيتها امتلأ المكان بالأقذار .. كذلك إذا ألغيت البغاء، انتشر "اللواط". وكانت هناك كنيسة للدعارة في "أفنيون" حيث تقضي الفتيات بعض الوقت في الصلاة والواجبات الدينية، ثم يتفرغن بقية النهار والليل لخدمة الزبائن، الذين يشترط فيهم أن يكونوا مسيحيين، إذ لم يكن يُسمح لغير المسيحيين بالدخول.وقد ظل هذا التقليد متبعًا من المومسات المسيحيات في الخليج إلى عام 1956، هذا يذكرنا بقصة الغلام الشهيد وملك قرطبة.وقد أعجب البابا جوليوس الثاني "بكرخانة" أفينون هذه إلى درجة أنَّه في مطلع القرن السادس عشر أسس واحدة مماثلة في روما ذاتها، وأصبحت مارية المجدلية، قدّيسة المومسات"! .ويمكن أنْ نُدرك مدى انتشار البغاء من حقيقة أنَّ كولومبوس سافر إلى أمريكا عام 1493 مع خمسين بحارًا أصيب بعضهم "بالزهري" في أمريكا، ولكن بعد عودتهم بثمانية عشر شهرًا كان الزهري منتشرًا في معظم أوربا!.وتوماس الأكويني الذي أباح البغاء هو الذي قيل فيه " لو أمكن تحميل رجل واحد مسئولية تشديد موقف الكنيسة من اللواط، فهو توماس الأكويني فيلسوف وفقيه القرن الثالث عشر". وقد عزل أحد رجال الدين في بريطانيا عام 1274 بعد ما أنجب 65 طفلاً غير شرعي. ولكن استخدام أو إباحة البغاء لم يُقصد به مجرد تطهير المدينة من قذارات اللوطيين، بل استعين بها على فرض التقشف في المعاشرة الزوجية! فإنّ محاولة الكنيسة التدخل في فراش الزوجية، ومقاومة المشاعر الطبيعية، أدّت إلى ازدهار البغاء، ففي العصر الفيكتوري فضّل الرجال أو حتى نُصحوا بتفريغ شهواتهم مع المومسات أو العشيقات، ليكون الجنس مع الزوجة رفيعًا مهذبًا باردًا رصينًا!". آمن آباء الكنيسة أنَّ الجنس حتى في الزواج لا يُسمح به إلا إذ كان الهدف منه هو التناسل فقط، ولو أنَّ الكنيسة الكاثوليكية آمنت بذلك ولونت تلك النظرة، الفكر الكاثوليكي كله، في ما يتعلق بالجنس، إلا أنَّ تأثيره كان محدودًا ولكن من الغريب أنَّه خلال القرن التاسع عشر تبنى البروتستانت تعاليم ألقديس أغسطين أكثر مما فعل أسلافهم الكاثوليك وقال الدكتور أليس ستوكمان الأمريكي عام 1894 " إنَّ أي زوج يطلب من زوجته الجماع بغير هدف الإنجاب، إنما يحول زوجته إلى مومس خصوصية"، "وإذا لم يكن رجال العصر الفيكتوري قد ذهبوا في التطرف مذهب الدكتور، إلا أنه كانت هناك قناعة عامة بأنَّ الرجال لا يجوز لهم إظهار شهوتهم الحيوانية مع زوجاتهم إلا في أضيق الحدود مرة فى الشهر وهو الأمثل، أو مرة في الأسبوع إذا كانت الحالة حرجة ". ويُمنع تمامًا في فترة الحمل أو الحيض. ولكن الرجال وجدوا مصرفًا، بل اعتقدوا أنَّهم يخدمون زوجاتهم بتصريف طاقاتهم في الخارج، وأنَّ اللجوء إلى المومسات يتفق مع الدين. فالقديس أغسطين خلال مناقشته للجنس قال : إنه لولا خطية المرأة، والتفاحة، والحية .. لبقى الجماع باردًا وعملية عقلية محسوبة وخالصًا من كل إثارة، وليس إلا بعد الخطية الأولى ظهرت الشهوة والعاطفة في الموضوع. وقد حمل أطباء القرن التاسع عشر هذه النظرة إلى نتيجتها المنطقية، ففضلوا الجنس مع المومس الذي يتم بلا حبّ، عن الجنس مع الزوجة، فازدهر البغاء على نحو لم يسبق له مثيل. ورغم قلة الإحصائيات، فقد اعترف البوليس بوجود ثلاثين ألف مومس فى باريس.وواضح أنَّ اشتراط الشهود، أو الإعلان أو هما معًا إنّما يحميان حقوق الزوجة والأطفال، فالعادة عند إنكار الزواج، أن يأتي هذا الإنكار من جانب الزوج ... ومن النادر جدًا وقوع حالة عكسية، وإنْ وقعت فغالبًا بعد وفاة الزوجة، إثر نزاع على الميراث. ولكن الشهود والإعلان ليست مراسيم، وكتابة عقد الزواج ليست من نوع الطقوس التي بغيرها لا يتم الزواج شرعًا، إنَّه كما رأينا ضمانات قانونية لحماية الشريك الأضعف. ولتحويل الزواج من سلوك ذاتي بين ذكر وأنثى إلى سلوك اجتماعي، بإشهاد المجتمع عليه. ذلك أنَّ القيد الذي يضعه الإسلام على حرية الفرد، هو دائمًا أبدًا لمنع تعسّف الفرد في استخدام حرّيّته بما يضرّ مصالح الآخرين. إ . ر