مصالحة علي مع أصحاب الجمل تتضمن "قصة الفتنة" سردا للأحداث التاريخية التي أدت إلى وقوع الفتنة بين المسلمين عقب استشهاد عثمان بن عفان، اعتمادا على وقائع وشهادات تضمنتها كتب يتمتع اصحابها بالصدق والوثوقية. إنها محطة هامة من تاريخ الإسلام تحولت فيها الخلافة بسبب الفتنة إلى دماء، إذ سيلي مقتل عثمان مقتل علي ثم قبله واقعة الجمل وواقعة صفين التي قسمت أهل المسلمين آنذاك إلى شطرين، اهل الشام وأهل العراق، كما ساهمت في بروز فرق ونحل أخرى، مثل الخوارج والشيعة والسنة... كان أهل الفتنة يخشون أن يتصالح علي وأصحاب الجمل؛ فيتفرَّغوا لهم كان علي يريد التصالح مع هؤلاء الصحابة، وردهم إلى المدينة - كما أسلفنا - لذا لما نزل بذي قارٍ دعا عليٌّ القعقاع فأرسله إلى أهل البصرة وقال: الْقَ هذين الرجلين - وكان القعقاع من أصحاب النبي - فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظّم عليهما الفُرقة. وقال له: كيف تصنع فيما جاءك منهما وليس عندك فيه وصاة مني؟ قال: نلقاهم بالذي أمرت به، فإذا جاء منهم ما ليس عندنا منك فيه رأي اجتهدنا رأينا، وكلمناهم كما نسمع ونرى أنه ينبغي. قال: أنت لها، فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة فسلّم عليها وقال: أي أمة، ما أشخصك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بُنيَّ، الإصلاح بين الناس. قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما، فجاءا، فقال لهما: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها، فقالت: الإصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما، أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان.قالت عائشة: فماذا تقول أنت؟ قال: أقول إن هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا، فعلامة خير وتباشير رحمة، ودرك بثأر هذا الرجل، وعافية وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا المال، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم، ولا تعرضونا للبلاء فتعرضوا له فيصرعنا وإياكم. والله، إني لأقول هذا القول وأدعوكم إليه! وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قلَّ متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس يقدر، وليس كقتل الرجل الرجل ولا النفر الرجل ولا القبيلة الرجل. قالوا: قد أصبت وأحسنت فارجعْ، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر.فرجع إلى عليٍّ، فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه. وأقبلت وفود العرب من أهل البصرة نحو علي بذي قار قبل رجوع القعقاع، لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة وعلى أي حال نهضوا إليهم، وليعلموهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح ولا يخطر لهم قتالهم على بال. في هذا الوقت، وصل علي، وبعث إلى أصحاب الجمل حكيم بن سلامة ومالك بن حبيب: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع، فكفوا حتى ننزل وننظر في هذا الأمر. فردوا حكيمًا ومالكًا إلى عليٍّ أننا على ما فارقنا عليه القعقاع.وأرسل علي إلى رؤساء أصحابه، وطلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما بذلك، فباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية التي أشرفوا عليها والصلح. استبشر المسلمون خيرًا بهذا الصلح، ولكنه -في الوقت ذاته- كان وبالاً على أهل الفتنة الذين صُعِقوا لما علموا بأمره، وخافوا على أنفسهم، وباتوا بشر ليلة وقد أشرفوا على الهلكة؛ فاجتمع نفر، منهم: علباء بن الهيثم وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسي وشريح بن أوفى والأشتر في عدة ممن سار إلى عثمان، ورضي بسير من سار، وجاء معهم المصريون وابن السوداء وخالد بن ملجم فتشاوروا؛ فقالوا: ما الرأي؟ وهذا علي وهو والله أبصر بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه سواهم والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شام القوم وشاموه، ورأوا قلتنا في كثرتهم، وأنتم والله ترادون وما أنتم بالحي من شيء! ويحاسبوهم؛ لذا انتهى الاجتماع المشؤوم باتفاق خبيث صاغه رأس الفتنة عبد الله بن سبأ اليهودي؛ إذ قال: يا قوم، إن عزكم في خلطة الناس، فإذا التقى الناس غدًا، فانشبوا القتال ولا تفرغوهم للنظر، فمن أنتم معه لا يجد بدًّا من أن يمتنع، ويشغل الله عليًّا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون، فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون وسواء كان رأس الأمر هو عبد الله بن سبأ اليهودي، أو أنه شخصية غير حقيقية - كما يرى بعض الباحثين- فإن الثابت أن هناك من وضع هذا المخطَّط ونفَّذه، فردًا كان أم جماعة. رشيد باحة