خاص

بانوراما رمضان: في رحاب الزوايا 6

زاوية الشيخ ماء العينين… ملجأ الخائفين والمحتاجين

تعاظم نفوذ الزوايا بالمغرب، رغم التحولات التي عرفها البلد  في اللحظة المعاصرة، ما يؤشر على مدى تجذرها في المجتمع، والارتباط القوي للعديد من الناس بها.
وانتشرت الطرق والزوايا على فترات متلاحقة في المغرب، إلى درجة أنه لا تكاد تخلو منطقة، قريبة أو نائية، من زاوية تأوي ضريح ولي صالح، يشكل مزارا للعديد من الناس.

 

ولعبت الزوايا أدوارا معقدة، دينية(روحية)، ووطنية، (الجهاد ضد المستعمر)، ونفسية (البركة وطلب الاستشفاء من الأمراض).
ورغم التحولات التي عرفها المغرب، سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، طيلة مراحله التاريخية المختلفة، فإن الزوايا شكلت مجالا لاستقطاب الزوار الباحثين عن الطمأنينة الروحية، من خلال التعبد، أو الراحة النفسية.
يقول «ميشو بيلير»، إن الطوائف الدينية اضطلعت بدور كبير في تاريخ الإسلام، خاصة في منطقة شمال إفريقيا، مشيرا، بهذا الخصوص، إلى تأسيس الدولتين المرابطين والموحدية، ومذكرا بوجود صعوبة في تحديد من كان وراء جلب المذاهب الصوفية إلى المغرب لأول مرة، انطلاقا من الشرق، مبرزا أن تلك المذاهب دخلت إلى المغرب ابتداء من القرن الرابع الهجري.
بمناسبة شهر رمضان ، تسلط « الصباح» الضوء على  أهم الزوايا المعروفة بالمغرب، والتي تستقطب أعدادا كبيرة من الناس، مع التركيز على سياقها التأسيسي، ومنهاجها التربوي والروحي…

تعتبر زاوية الشيخ ماء العينين، من أكبر وأهم الزوايا  الموجودة بالأقاليم الجنوبية، وتشكل مزارا للعديد من الناس، وكسبت مدينة السمارة، طابعها الروحي، بفضل هذه الزاوية، التي  لعب شيخها دورا بارزا في تعليم الدين، والأخلاق المبنية على القيم والتعاليم الإسلامية، ومواجهة الاستعمار. تستقطب الزاوية عددا متزايدا من الناس الباحثين عن الطمأنينة الروحية.
ولد الشيخ ماء العينين سنة 1831 ، حفظ القرآن، وهو صغير، إذ تتلمذ على يد والده، وانقطع إليه انقطاعا كليا، ما جعله يختصر المسافات، فارتوى من بحور العلم المتعددة، فأمضى الشطر الأول من حياته في الأخذ والتحصيل من أهله، والشطر الثاني في النظر والمطالعة لمختلف الكتب، فكان عصاميا، نابغا في كل الفنون التي خاض فيها. ولقب بماء العينين، لأن والدته كانت تناديه بـ”ماء عيني”.
وتقول بعض المصادر، إن الشيخ ماء العينين، شرع سنة 1888 ، في شق طريق يربط بين السمارة وطرفاية ، بغرض جلب المواد الضرورية لبناء زاويته بمدينة السمارة. وفي سنة 1895 ، شرع في البناء وكلف ابنه الشيخ الطالب خيار، بمهمة السهر على أوراش البناء، بعد ما وصلت المواد الضرورية عن طريق البحر إلـى شواطئ طرفايــة، على متن باخرة تابعــة لبحرية  السلطان مولاي عبد العزيز ، وعلى متنها أربعة من البنائين المختصين، ينتمون إلى مدن مراكش، فاس، طنجة، تطوان، وبعد سنة، التحق بهم البناء الخامس من وجدة.
وتُضيف هذه المصادر أن الشيخ ماء العينين، قرر في الفترة ما بين   1896 و 1898، إنشاء مدينة السمارة، إذ استغرقت أشغال البناء  أربع سنوات.  
وإلى جانب فضله الصوفي والعلمي، ارتبط اسم الشيخ ماء العينين، بمقاومة الاستعمار الإسباني والفرنسي، إذ وجدت فرنسا وإسبانيا صعوبة في اختراق موريتانيا والصحراء، بفضل دعم الشيخ ماء العينين للمقاومة.
ترك الشيخ ماء العينين زاوية أبيه برسم الحج بتاريخ 18 جمادى الأولى 1274هـ وعمره 28 سنة، فمر في طريقه بوادي نون بالصحراء وبالصويرة ومراكش بالمغرب، إذ أكرمه ولي العهد الأمير سيدي محمد بن عبد الرحمن، ثم سافر إلى مكناس،التي دخلها في 27 رمضان، وخصه السلطان مولاي عبد الرحمن باستقبال حار، ووجهه بعد الضيافة إلى طنجة، إذ أركبه عامله بها سفينة متوجهة إلى المشرق.  
حج الشيخ ماء العينين وزار المدينة المنورة، بعد ذلك توجه إلى بلاده، مارا بمصر، وعاد منها بحرا، فوصل طنجة يوم 24 شعبان عام 1275 هـ، ومنها إلى الصحراء.     
اشتهر الشيخ ماء العينين بعلمه وجهاده، وكان ملجأ الخائفين، والمحتاجين، ومرشدا للمخطئين، ورحيما بالضعفاء والمساكين. وكانت مدينة السمارة التي أسسها الشيخ ماء العينين عام 1898 محط أنظار طلاب العلم. وتشير المصادر ذاتها، إلى أن الشيخ  ماء العينين اقتنى مكتبة من أعظم مكتبات شمال إفريقيا.   
شكلت مدينة السمارة انطلاق المقاومة ضد المستعمر الفرنسي. ومع رجوع الشيخ من الحج، بدأ الفرنسيون في الزحف نحو موريتانيا والتوغل في أراضيها والاستعداد لجعل المغرب تحت القبضة الاستعمارية، في الوقت الذي أحكم الإسبان قبضتهم على إقليم الصحراء. قام الشيخ ماء العينين  بتأطير القبائل الصحراوية والموريتانية لمقاومة المستعمر، وقصد، مرارا، السلطان المغربي لتسليح المقاومة. استقر الشيخ ماء العينين، في نهاية المطاف، بتزنيت، حيث توفي عام  1910، وبها دفن.  
ترك الشيخ ماء العينين مؤلفات قيمة منها، دليل الرفاق على شمس الاتفاق، ونعت البدايات، وفاتق الرتق على راتق الفتق، وتبيين الغموض عن نعت العروض، وحزب البسملة، وحزب الخير الجسيم، والمقاصد النورانية، ومفيد الحاضرة والبادية، ومظهر الدلالات، والمرافق على الموافق (شرح لمواقفات الشاطبي)، وهداية من حار في أمر النصارى، ومفيد النساء والرجال، ومفيد السامع والمتكلم في أحكام التيمم والمتيمم، وهداية المبتدئين في النحو.

جمال بورفيسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق