حوادث

دراسة: المحكمة العسكرية الدائمة بين التشريع والواقع العملي (الحلقة الأخيرة)

مدونة العدل العسكري تتعارض مع قرينة البراءة

لئن كانت المصلحة الغائية من التصديق وسند القوانين داخل المجتمع، مردها بالأساس المحافظة على استقرار السلم الاجتماعي بين مختلف مكوناته على نحو يكفل ممارسة الحقوق في إطار منظومة قانونية تستلزم، من جهة، استيفاءها كافة الشروط الشكلية والموضوعية التي يقتضيها العقد الاجتماعي، ومن جهة أخرى عدم تعارض هذه المقتضيات مع مبادئ ونصوص

الدستور باعتباره يمثل أسمى القوانين، لكونه يعكس إرادة صريحة للأفراد بمقتضى اقتراع
علني.

إن عدم تحيين هذه المدونة من شأنه المساس بحقوق المتقاضين، بل وقد يخلف ارتباكا بخصوص الاختصاص، إذ نجد المحكمة العسكرية تبسط يدها أحيانا على أفعال تعتبر في حقيقة الأمر من حيث التكييف القانوني مخالفة إدارية، كعدم تجديد رخصة الصيد مثلا.
والملاحظ أن المحكمة العسكرية على علة اختصاصها الحالي لا يمكن لها بأي شكل من الأشكال أن تكفل بشكل إيجابي حقوق المتقاضين، على اعتبار أن مدونة العدل العسكري بصيغتها الحالية تتعارض في العديد من مقتضياتها مع قرينة البراءة باعتبارها الأصل، كما أنها عاجزة عن الحفاظ على توازن حقوق أطراف الخصومة الجنائية.
وإذا كان للقائمين على سن وإنفاذ القوانين هاجس توفير ظروف المحاكمة العادلة وفق النمط المتعارف عليه دوليا واحترام حقوق المتقاضين وصون حرياتهم والحفاظ على المصلحة العامة والنظام العام، فإن الإصلاح يبقى هو الملاذ الوحيد.
والإصلاح من منظرونا يمكن أن يتجسد في النفط التالية :
إما أن يتم إلغاء هذه المحكمة وإسناد اختصاصاتها إلى بعض محاكم الاستئناف، على غرار محكمة العدل الخاصة، أو إنشاء غرف عسكرية لدى المحاكم الابتدائية بحكم ولايتها العامة، أو إما أن تقتصر هذه المحكمة على الأفعال العسكرية الصرفة التي يقترفها العسكريون دون أن تطول المدنيين أو الأفعال المنصوص عليها بمقتضى القانون الجنائي، وفي حالة الإبقاء عليها باختصاص نوعي ضيق يشمل فقط الأفعال والمخالفات العسكرية، يجب الحد من اختصاصها المكاني الوطني وذلك بجعلها متنقلة تكريسا لمبدأ تقريب مرفق القضاء من المواطنين.
بالنسبة إلى ضم هيأة الحكم لمستشارين ليسوا بقضاة وليس لهم تكوين حقوقي
لقد حدا التنظيم القضائي المغربي حدو مجموعة من الدول الأوربية بخصوص انتهاجه مبدأ القضاء الجماعي.
ولعل السمة الأساسية التي يمتاز بها القضاء الجماعي هو تحقيق عدالة مبنية على اجتهادات قضائية قارة يطمئن لها المتقاضون ويستتب على ضوئها السلم الاجتماعي.
وحيث أن المحكمة العسكرية لم تستثن على غرار المحاكم العادية من هذه الخاصية، إذ تصدر أحكامها وهي مشكلة من هيأة جماعية، اعتبارا لكون القضاء الجماعي ـ وعلى عكس القضاء الفردي ـ يقتضي تمحيصا دقيقا وتقديرا جيدا لوسائل الإثبات، والخروج بأفضل الحلول وتعليلا مقنعا ومتماسكا لحيثيات الحكم.
كما يهدف القضاء الجماعي إلى مراقبة متبادلة لأعضاء هيأة الحكم، الشيء الذي يعكس استقلال وهيبة جهاز القضاء، وبالتالي يكون المشرع العسكري قد أرسى ضمانة تخدم بشكل خاص مصالح وحقوق المتقاضين أمام المحكمة العسكرية الدائمة.
غير أن الواقع العملي قد أفرز عدة معطيات قد لا تخدم الاجتهاد القضائي الصادر عن هذه المحكمة تتلخص أهمها فيما يلي : أن المستشارين العسكريين المشكلين لهيأة الحكم لا يتوفرون على صفة قاض. فهؤلاء يتم استدعاؤهم من الثكنات والمصالح العسكرية وهم بذلك يفتقرون للمعرفة القانونية والتكوين الحقوقي، وهو ما يجعل وجودهم بهيأة الحكم، من منظور المتمرسين وكذا الفقه، مجرد إجراء شكلي يتوخى من ورائه المشرع استيفاء النصاب القانوني ليس إلا.
ورغم أن هيأة الحكم تبدو ظاهريا جماعية، إلا أنها تنطوي على نوع من الانفراد بسلطة القرار من طرف القاضي المدني، وذلك لكون المستشارين العسكريين ـ وكما سبق ذكره ـ ليسوا بقضاة تماشيا ومنطوق الفصل 6 من الظهير المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة العسكريين الذي ينص : « يكلف القضاة العسكريون بمهام النيابة العامة والتحقيق …».
وتبعا لذلك يكون المشرع قد استثنى هؤلاء المستشارين من صفة قاض، لكونه قد حصرها في أعضاء النيابة العامة والتحقيق دون سواهم.
وفي هذا الصدد يطرح التساؤل حول ماهية الإصلاح الذي يمكن أن يشمل هيأة الحكم بالمحكمة العسكرية الدائمة.
فما المانع الذي يحول دون وضع آليات تشريعية لإلحاق قضاة عسكريين بهذه المحكمة ـ في إطار اختصاص ضيق ينصب فقط على النظر في الجنح العسكرية الصرفة ـ يخضعون من حيث المسؤولية لوزارة العدل وللمجلس الأعلى للقضاء ومن حيث المسؤولية الإدارية لإدارة الدفاع الوطني، عوض الاقتصار على تحرير قائمة الضباط وضباط الصف، باقتراح من طرف الرؤساء تماشيا ومقتضيات الفصل 21 من م.ع.ع.
بالنسبة لجهاز كتابة الضبط :
إن جهاز كتابة الضبط يشكل أهم لبنة يتأسس عليها التنظيم القضائي المغربي، لكون العاملين به يتولون القيام بكل الإجراءات والمساطر الإدارية ذات الصلة، بدءا من تقديم الدعوى إلى تنفيذ الأحكام الصادرة بشأنها. وحيث أن المحكمة العسكرية هي الأخرى لم تستثن من خدمات هذا الجهاز.
فالخاصية الأبرز لضباط الصف والجنود المنتمين لكتابة الضبط لدى هذه المحكمة، تكمن في أنهم مهنيون بامتياز، ويباشرون مهامهم الضبطية بكل مسؤولية وفي احترام تام للدفاع وللوافدين عليها عامة.
من هنا يمكن الجزم أن جهاز كتابة الضبط يعتبر عصب المحكمة العسكرية الدائمة.
فتجهيزه بآليات ومعدات حديثة تواكب مستلزمات الظرفية الراهنة، هذا فضلا عن كون كتاب ضبطها متمرسين وعلى درجة عالية من الأخلاق والانضباط، يجعله يمتاز عن باقي أجهزة كتابة الضبط لدى المحاكم العادية بالسرعة في الأداء والاستجابة لطلبات المتقاضين وكل من له الصفة في ذلك.
غير أن هذا الجهاز يعرف هو الآخر مجموعة إكراهات تستدعي إصلاحات عاجلة.
فكل ضباط الصف وجنود هذا الجهاز ليست لهم صفة كتاب، وهو ما يجعل هذا الأخير في تناقض تام مع طبيعة المهام الضبطية التي يباشرونها.
فقد كان حريا إخضاع هذا الجهاز لنظام أساسي، يجعله أكثر استقلالية عن النيابة العامة وعن هيأة الحكم. كما أن إخضاع العاملين به لازدواجية المسؤولية، بشكل يجعلهم مسؤولين قضائيا أمام وزارة العدل وإداريا أمام الإدارات التابعين لها، من شأنه أن يصون حقوق المتقاضين لدى المحكمة العسكرية الدائمة ويجسد مبدأ احترام الضمانات.
من هنا يتضح مدى عجز مدونة العدل العسكري على مسايرة التوجه القانوني الجديد والنهج الإصلاحي الذي اتخذه المغرب كخيار في مجال حقوق الإنسان، وذلك بعدم موائمة جل مقتضياتها وتحيينها وفق المستجدات القانونية المعاصرة.
وفي هذا الصدد يطرح التساؤل على الخصوص حول جدوى تأسيس المجلس الدستوري (أو المحكمة الدستورية حسب ما حمله الدستور المعدل بتاريخ 01/07/2011) ؟
فالقوانين عامة قد تكون منافية للشرعية والدستور في مهدها أمام نواب الأمة قبل أن تمر إلى المصادقة أو أن تصير مع مرور الوقت غير دستورية، مما يتعين تبعا لذلك تدخل مجلس الحكماء.
فغياب درجتي للتقاضي أمام المحكمة العسكرية يتنافى بوضوح مع مقتضيات دستورية حملها الفصل 6 من الدستور الجديد. ذلك انه إذا كان المغاربة سواء أمام القانون دون تمييز من حيث الصفة، اللون، العرق، الانتماء الديني، فلم إذن يتم حرمان المتقاضي ـ سواء كان جنديا أم مدنيا ـ من درجتين التقاضي على عكس المحاكم العادية التي تقر بهذا المبدأ ولو في اخطر الجرائم كالجرائم الإرهابية مثلا ؟

بقلم: نعيم سبيك: دكتور في الحقوق
باحث في التشريع العسكري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق