fbpx
خاص

بانوراما رمضان: في رحاب الزوايا 4

الطريقة الشاذلية تنبذ المجادلات الفلسفية

تعاظم نفوذ الزوايا بالمغرب، رغم التحولات التي عرفها البلد  في اللحظة المعاصرة، ما يؤشر على مدى تجذرها في المجتمع، والارتباط القوي للعديد من الناس بها.
وانتشرت الطرق والزوايا على فترات متلاحقة في المغرب، إلى درجة أنه لا تكاد تخلو منطقة، قريبة أو نائية، من زاوية تأوي ضريح

ولي صالح، يشكل مزارا للعديد من الناس.
ولعبت الزوايا أدوارا معقدة، دينية(روحية)، ووطنية، (الجهاد ضد المستعمر)، ونفسية (البركة وطلب الاستشفاء من الأمراض).
ورغم التحولات التي عرفها المغرب، سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، طيلة مراحله التاريخية المختلفة، فإن الزوايا شكلت مجالا لاستقطاب الزوار الباحثين عن الطمأنينة الروحية، من خلال التعبد، أو الراحة النفسية.
يقول «ميشو بيلير»، إن الطوائف الدينية اضطلعت بدور كبير في تاريخ الإسلام، خاصة في منطقة شمال إفريقيا، مشيرا، بهذا الخصوص، إلى تأسيس الدولتين المرابطين والموحدية، ومذكرا بوجود صعوبة في تحديد من كان وراء جلب المذاهب الصوفية إلى المغرب لأول مرة، انطلاقا من الشرق، مبرزا أن تلك المذاهب دخلت إلى المغرب ابتداء من القرن الرابع الهجري.
بمناسبة شهر رمضان ، تسلط « الصباح» الضوء على  أهم الزوايا المعروفة بالمغرب، والتي تستقطب أعدادا كبيرة من الناس، مع التركيز على سياقها التأسيسي، ومنهاجها التربوي والروحي…

تنسب الطريقة الشاذلية إلى أبي الحسن الشاذلي(1258)، تلميذ مولاي عبد السلام بن مشيش. وتقوم الطريقة الشاذلية على مجموعة من الخصال والسلوك، في مقدمتها التوبة، وهي نقطة انطلاق المريد، أوالسالك إلى الله .ويأتي في الموقع الثاني، الإخلاص، وينقسم لديها إلى قسمين: إخلاص الصادقين، وإخلاص الصِّدِّيقين. وهناك النية، التي تعد أساس الأعمال والأخلاق والعبادات، والخلوة، بمعنى اعتزال الناس، فهذا من أسس التربية الصوفية.
وفي الطريقة الشاذلية يدخل المريد الخلوة لمدة ثلاثة أيام قبل سلوك الطريق. وهناك، أيضا، الذكر، والأصل فيه ذكر الله، ثم الأوراد، وقراءة الأحزاب المختلفة في الليل والنهار. والذكر المشهور لدى الشاذلية هو ذكر الاسم المفرد لله أو مضمرًا (هو هو). ويعتبر الزهد ركيزة أساسية  للطريقة، إلى جانب أحوال النفس، والورع، والتوكل، والرضى، والمحبة.  
وكما ورد في كتاب» نبذة عن التصوف بالمغرب»، لأحمد الوارث، فإن الطريقة الشاذلية تعتبر نفسها مجددة، إذ حاولت أن تتجاوز ما كان سائدا من التيارات الصوفية في عصرها، أي التيار الفلسفي المغرق في التنظير والمجادلات الكلامية، وتيار الطوائف المغربية والمشرقية، المفرط في التقشف، والتعصب للطائفة، وهو ما يعني أن الشاذلية تجربة صوفية سعت إلى نبذ المجادلات الفلسفية، وهو ما يفسر، ربما، تجنب الشاذلي تأليف الكتب، على غرار الجنيد، شيخ المؤسسين لطريق السلف، ولم يكن ذلك عن عجز أو سهو، كما يذهب صاحب الكتاب، بل نتيجة موقف مبدئي، نجد له صدى في إشارته، ردا عن سؤال في الموضوع مفاده» كتبي أصحابي»، مما يفسر أهمية الجانب السلوكي في طريقة الشاذلي.
وكان الشاذلي حريصا على  الوحدة في التعاليم الصوفية، وهو خطاب موجه، بالأساس، إلى أتباع الطرق والطوائف الصوفية التي طغى التعصب للطريقة أو للقبيلة على تصوفهم خاصة، وإلى جميع المسلمين عامة، إيمانا منه بعلو التصوف على جميع تلك الاعتبارات والانتماءات، طالما أن تعاليمه تطابق آراء الجماعة الإسلامية. وظل الشاذلي منسجما مع نفسه، من خلال عزوفه عن تأسيس زوايا أو ربط  خاصة بالطائفة الشاذلية، واقتصاره على  الاجتماع بالأتباع في المساجد، مثل غيرهم من المسلمين، تأكيدا منه، على أهمية وحدة الجماعة الإسلامية.
واجتهد الشاذلي كثيرا لكي يجعل منهجه في السلوك مطابقا لذلك البعد الوحدوي وشروطه، وهو ما يلاحظ من خلال دعوته إلى نبذ كل السلوكات السلبية المثبطة للعزائم، فدعا إلى التوكل على الله بدل الكسل والتواكل، وحث على السعي للرزق عوض السؤال، وانتظار الفتوح والهدايا، كما دعا إلى الزهد في الدنيا احتسابا لله،ولكن دون تجرد ولا تقشف، ولا مرقعات، ولا رهبانية. وفضل، من جهة أخرى «الذكر القلبي»، على الإكثار من الذكر باللسان والاجتماع ساعات طويلة في حلقات الرقص والسماع. وجعل الشاذلي للخلوة معنى رمزيا مؤداه التأمل والتفكير في ملكوت الرحمان، وجعلها للسالك فترة محددة من الليل، لا الخلوة بمعنى الفرار من الخلق والاعتكاف في الكهوف. وركز الشاذلي على ضرورة  الحفاظ على الفرائض، ونبذ المعاصي، وهو مضمون المتصوف الصالح، والمحصلة أن» الشيخ الكامل» من  المنظور الشاذلي، ليس هو العارف الفيلسوف، وإنما هو السالك السني، مثل الشاذلي. وبذلك تمكنت الشاذلية من استقطاب أعداد كبيرة من الأتباع، خاصة أن ممارساتها لا تقتضي ثقافة دينية أوعلمية معمقة.
وانتشرت الشاذلية بالمغرب في وقت مبكر، ويدل على ذلك ما يروى عن انتقال بعض تلامذة أبي الحسن الشاذلي من مصر إلى المغرب في حياته، مثل أبي الحسن الصقلي، وعبد الله الجيبي، ووجود رواة لأحزاب الإمام الشاذلي في البلاد، منذ أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، من أشهرهم أبو الحسن الزرويلي المتوفي سنة 1320.
وشكلت الطريقة الشاذلية منبعا للعديد من الزوايا والربط التي بدأت تقتدي بالطريقة الشاذلية، وهو ما ينم عن شيوع هذه الطريقة في الأوساط المثقفة، ورغبة من شيوخ تلك الطوائف في تلقيح «نحلتهم» القديمة بالشاذلية، إنقاذا لطوائفهم من الوهن والانحراف، وشكل ذلك أحد العوامل التي ساعدت تلك الربط في البقاء والاستمرار، وفي توسيع دائرة نفوذ الطريقة الشاذلية، من جهة أخرى، بل إن تلك الطوائف، وفق ما جاء في كتاب أحمد الوارث، اندمجت في ظل طائفة واحدة هي الطريقة الشاذلية، إلى حد يمكن القول إن القرن الخامس عشر كان قرن الطائفة الشاذلية.

جمال بورفيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى