خاص

بانوراما رمضان: أسرى حرب الصحراء… قصص تدمي القلب 3

ميمون غدو … من معاناة الأسر إلى الحرمان

قضى 10 سنوات من الأسر ووجد لدى عودته راتبا شهريا لا يتعدى 550 درهما

جلهم مروا من مركز الروبيني، الكائن فوق التراب الجزائري، ذاق أغلبهم مرارة التعذيب بمختلف صنوفه. إنهم جنود وعسكريون مغاربة، سقطوا في قبضة الأسر من قبل شرذمة من انفصاليي جبهة بوليساريو. هناك من قضى أزيد من ربع قرن في الأسر، سنوات كلها معاناة، لكن رغم القواسم المشتركة بين الجنود الأسرى المغاربة، إلا أن لكل حالة خصوصيتها. مازال هؤلاء يحملون

ذكريات فلم تنفع نعمة النسيان في إسقاطها من ذاكرتهم، وبقيت المشاهد
والصور واللقطات عالقة في الأذهان. “الصباح” التقت بمجموعة من الأسرى، جالستهم ساعات طوالا، وتقاسمت معهم صفحة أليمة من تاريخهم، إلا أن العودة لم تضع نقطة نهاية لهذه المآسي، بل فتحت صفحة
أخرى، إنها معركة مستمرة بحثا عن الكرامة، وعن سبل العيش الكريم.

يتحدر غدو ميمون من ضواحي مدينة وجدة. نال منه الدهر بسبب الأيام القاسية التي قضاها أسيرا لدى الجزائريين.
عندما التحق للعمل في صفوف الجيش، كان كله حماس لأنه يعتقد جازما أن العمل في سبيل الوطن ضرورة، وشرف. اختير غدو ميمون ليكون ضمن العناصر المغربية التي ستشتغل قوات احتياط في موريتانيا. كان ميمون في تلك الفترة في رتبة ملازم. الجندية بالنسبة إليه تعني الدفاع عن الوطن إلى آخر رمق في الحياة. ساعدته بنيته الجسمية، وقامته الطويلة، ليكون متميزا في أداء واجبه. غير أن الأقدار شاءت أن يسقط أسيرا ويعيش مرارة حرمان الحرية ظلما وعدوانا.
اعتقل يوم 14 أكتوبر 1977، في منطقة الزويرات. كان غدو ميمون، واحدا من العسكريين المغاربة، الذين شاءت الأقدار أن يسقطوا في قبضة شرذمة من الانفصاليين.   
اعتقل ضمن مجموعة تضم 35 شخصا، واقتيد إلى مركز الروبيني الشهير، الكائن في مخيمات تندوف. هناك ذاق ميمون غدو مختلف ألوان التعذيب، ومورست عليه، شأنه شأن باقي الأسرى المغاربة، شتى أشكال الإهانة وأساليب الحط من الكرامة.
لبث هناك شهرين كاملين، مدة، يقول ميمون، ذاق فيها عذابا مريرا، ليتم نقله بعد ذلك، رفقة مجموعة من الأسرى المغاربة، إلى الجزائر، وبالتحديد إلى منطقة بوغاز. في تلك اللحظة، فهم ميمون ورفاقه الأسرى الدور الكبير الذي تلعبه المخابرات العسكرية الجزائرية، وتواطئها مع انفصاليي بوليساريو المسؤولين عن اختطافهم من فوق أرض الوطن.
وبحكم معرفته بتضاريس البلد الجار، فطن ميمون غدو بسرعة إلى أنه يوجد فوق التراب الجزائري، حيث تم أسر مغاربة بدون أي وجه حق.
يحكي ميمون غدو عن تسعة أعوام وتسعة أشهر التي قضاها في مركز بوغاز وسط الجزائر، وهو عبارة عن سجن عسكري، تمارس فيه مختلف أنواع التعذيب والتجويع، أما المعاملة، يقول غدو ميمون “فحدث ولا حرج، نخاطب بالكلام الساقط، وتلقى على مسامعنا عبارات نابية يستحيي المرء أن يسمعها مرة في عمره، أحرى أن يكون الأمر يوميا”، إنها الإهانة بكل ما للكلمة من معنى. “كنا نتلقى تعذيبا نفسيا يوميا بسبب ما نتعرض له تحت إشراف جنرالات جزائريين، كانوا يتولون الأمر بأنفسهم، فأنا مازلت أتذكر بعض أسماء هؤلاء الذين تركوا فوق أجسادنا أدلة قاطعة على إدانتهم، هناك العقيد بلهوشات، والجنرال الغطايلة، والكومندار ميمون المكلف بالسجن، الذي توبع في ما بعد بتهمة اغتيال الرئيس الجزائري بوضياف”.
كان ميمون غدو يتابع مستجدات ما يقع حوله، يقول إن أغلب الذين تكلفوا بحراسة الأسرى المغاربة تابعون للحرس الجمهوري، وإنهم كانوا ينفذون الأوامر الصادرة من الرئاسة. مباشرة بعد “الإقامة” الطويلة التي قضاها ميمون في بوغاز، نقل ومجموعة أخرى من الأسرى المغاربة إلى منطقة الجلفة، حيث قضوا سنة ونصف، ليعودوا بعد ذلك إلى مركز بوغاز. كان في كثرة التنقيلات التي تمارس في حق الأسرى نوع من التعذيب النفسي، وإذكاء الشعور بعدم الاستقرار، وبأن الجزائر على استعداد للقيام بأي شيء، إلى درجة أن الأسرى بدؤوا يشعرون بأن حياتهم لم يعد لها معنى. “في السجن العسكري بوغاز، كانوا يقدمون لنا أكلا متسخا، ولولا الخوف من الموت جوعا، لما اقتربنا منه”، يحكي ميمون غدو الذي يتذكر جيدا “حرص أحد الضباط الجزائريين على تقديم أكل متسخ للعسكريين المغاربة، دون غيرهم من باقي الأسرى الذين كانوا رهن الاعتقال في المركز نفسه، لقد أصبحنا عبيدا لدى الجزائريين”.
كان المسؤولون العسكريون الجزائريون في مركز بوغاز يفرضون على الأسرى المغاربة القيام بأعمال الطبخ وتحضير الخضر والدجاج. “كنا نقوم بذبح الدجاج ونعده للطبخ، دون أن نأكل منه، لأن أكلنا كما أسلفت كان من النوع الرديء، فمستوى التغذية ضعيف جدا، وكان أغلبنا يعاني أمراضا في الجهاز الهضمي من سوء ما يقدم لنا من طعام”. يتذكر ميمون التسمم الجماعي الذي تعرض له الأسرى في الجلفة، “كنا في شهر رمضان، وقدمت لنا وجبة السحور عبارة عن عدس، فتعرض جميعنا إلى تسمم، وكدنا نموت لولا ألطاف الله”.
بعد أزيد من عشر سنوات قضاها ميمون غدو في الأسر لدى الجزائريين، أفرج عنه في إطار تدخل الصليب الأحمر الذي زار الأسرى المغاربة ووقف على وضعيتهم المزرية.
انتهت معاناة الأسر، يقول ميمون غدو، وبدأت معاناة من نوع آخر. “عندما عدت إلى أرض الوطن، وجدت في انتظاري راتبا شهريا يقدر ب550 درهما فقط، آنذاك شعرت أنني خرجت من السجن الأصغر لأدخل السجن الأكبر، سجن البحث عن العيش الكريم وعن وضعية اجتماعية تنسيني ما تعرضت له من تعذيب جسدي ونفسي ومعنوي”. كان عمره قبل الاعتقال لا يتجاوز الثلاثين سنة، ولم يتزوج إلا بعد أن أفرج عنه. شارف ميمون غدو على السبعين، وكله أمل أن تنتهي حياته ب”سلام وبكرامة”، فوضعيته المالية مزرية جدا، إنه يشعر بالحسرة، ولم يتردد في خوض اعتصام مفتوح رفقة مجموعة من الأسرى الذين قدموا من كل حدب

وصوب قصد إسماع صوتهم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض