الأولى

نعم للتمييز الإيجابي… لا للتطبيع السلبي

لا أطلب رحيل القدماء بل أريد أن ينصتوا بسعة صبر إلى المستقبل الذي يدق على الأبواب ويفتحوها

أقدمت منظمات شبابية، مدعومة بجمعيات مدنية، على إطلاق مبادرة تهدف إلى تحسيس الرأي العام، في أفق الانتخابات التشريعية المقبلة، بضرورة إقرار نمط اقتراع يعتمد منطق التمييز الإيجابي لتمكين فئة الشباب من ولوج المؤسسة التشريعية.
«حركة الشباب المغربي من أجل التمثيلية السياسية الآن» أول ما يثير الانتباه في مبادرتها هو شبه الإجماع الذي يوحد

شبيبات أهم الأحزاب السياسية داخلها، في تعبير واضح عن الرغبة في ولوج مجال الشأن العام من أجل المشاركة في رسم خارطة الوطن المستقبلية. وأولى الملاحظات المثيرة تتمثل في ثناء هذه الشبيبات على مقترح وزارة الداخلية واستهجان الردود الحزبية المعلنة لحد الآن، بل واستنكار الحركة لمواقف بعض الأحزاب السياسية الرافض للائحة الوطنية للشباب، وتنديدها بضبابية موقف بعض الفاعلين السياسيين في مناقشتهم للقوانين الانتخابية»…
وإذا استثنينا المبالغة اللفظية في المواقف المعبر عنها، والناتجة عن فورة الشباب الطبيعية، يجدر بنا التساؤل عن مشروعية هذا المطلب بعيدا عن اللغات الخشبية، ما هو عتيق منها وما هو «حديث».
وما دام الأمر يتعلق بنمط الاقتراع كممر لولوج المؤسسات المنتخبة بطريقة ديمقراطية، أي لا إقصاء فيها، لا بد من التذكير بأولى البديهيات المؤسسة لهذا النقاش وهي أنه لا وجود لنمط جاهز صالح لكل زمان ومكان. أنماط الاقتراع تُعتمَد في كل التجارب والنماذج، انطلاقا من تحديد المطلوب، في إطار الصراع المجتمعي، بناء على واقع معطى يتوجب تغييره أو تطويره. ويجب في هذا المضمار ألا ننسى أن الديمقراطيات المُؤسِّسة، والتي أصبحت اليوم مرجعية شبه بديهية، اعتمدت أنماط اقتراع متفاوتة في تاريخها، اعتُبرت ديمقراطية وقتها، وما هي اليوم كذلك، ولم تستقم في شكلها الحالي إلا تحت الطلب الشعبي المطرد.
ما هو الواقع الواجب تطويره أو تغييره في مؤسساتنا المنتخبة، وتحديدا في المؤسسة التشريعية؟
نعاني والكل يعرف ذلك، عوامل بنيوية تمنع أو تكبح ولوج المؤسسة التشريعية من لدن جزء كبير من طاقات المجتمع التي لا يمكن الحلم بربح رهان التنمية بدونها: النساء والشباب والأطر. الأمر لا يتعلق اليوم فقط بالوعي بهذه البديهية، أكثر من ذلك: الأمر اليوم مختلف نوعيا، إذ أصبحت هذه الفئات تدق على باب الشأن العام بقوة وإصرار. ولأسباب تاريخية وسياسية ظلت المؤسسة التشريعية مقتصرة على فئات معينة أصبحت تتحكم في توجهات الأحزاب نفسها وتفرض ذاتها «بقوة وجودها» المحض، دون استحضار للتحديات التي لا ترحم، والمرتبطة بالتنمية والدمقرطة العميقة للدولة والمجتمع. هذا طبعا مع الإقرار بوجود «بروفيلات» محترمة داخل هذه المؤسسة، تمثل استثناءات يعرفها الرأي العام، نظرا لندرتها بالضبط.

إن هذه التحديات هي ما يجب أن يحدد اختيارات المغرب اليوم في مجال اعتماد أنماط الاقتراع، خاصة مع المكانة والسلطات التي أصبحت للبرلمان بفعل الدستور الجديد. وأنماط الاقتراع المبنية على التمييز الإيجابي ليست «بدعة» مغربية، ففي ألمانيا مثلا وإلى جانب اللوائح الاعتيادية، يقع الاقتراع على لائحة وطنية للأطر بدون إشهار الأسماء، وتتكلف الأحزاب بعد حصول كل منها على العدد المستحق من نتائج الاقتراع، بتعيين من ينتدبهم حزبهم لشغل المقاعد المحصل عليها… هل يمكن اعتبار هذا النمط لا ديموقراطيا؟ لا أعتقد…
نحن في المغرب، سوف نجد داخل المؤسسة التشريعية بعد شهور، ما سنضعه فيها بأيدينا لا بأيدي غيرنا. ومن يتباكى على الوجود المهيمن للأعيان على المؤسسة التشريعية ويتبرم من تربص الفاسدين بها، يجب أن يتحمل مسؤوليته كاملة اليوم قبل الغد. وكما اعتمدت بلادنا، عن حق، نمطا ينصف المرأة، عليها اليوم أن تعتمد نمطا ينصف الشباب، لا لأنهم تظاهروا في الشوارع لإسماع أصواتهم الصداحة فقط، بل لأن المغرب يعرف تحولات وانتقالات سوسيولوجية عميقة قد يسعف الوقت للرجوع إليها فيما بعد، وتتمخض هذه التحولات في صفوف هؤلاء أساسا أكثر مما تتمخض في الصفوف السابقة عليهم والتي أصبحت لسوء الحظ أكثر محافظة من وزيرٍ في الداخلية، مع الاحترام للسيد الوزير. ولكل من يهول من «ضعف خبرة الشباب» أحيله على تاريخ الشعوب ليدرك السن الذي تُعقد فيه المواعيد مع التاريخ، وأحيل القارئ على أعمار الموقعين على وثيقة الاستقلال، حتى لا نذهب بعيدا… وفي كل الأحوال، فعثرة مناضل شاب أقل خطورة بما لا يحصى ولا يعد من تكلس فكر وممارسة سياسيين ينتميان إلى زمن هو على أهبة الرحيل، رغم تشبثه بالبقاء بشكل يثير الرثاء…
وحتى إذا اعتبر الشيوخ من السياسيين، أن وجودهم – هم حصرا – في المعادلة لا هروب منه، فلهم أن يضعوا مهاراتهم وتجاربهم ودروسهم رهن إشارة الأجيال الجديدة في شكل استشارات وحضور رمزي، فربما يسدون بذلك للوطن وللشبيبة ولهم هم أنفسهم جميلا ما بعده جميل…
… ولكي نتحرى الدقة في هذا الأمر، وحتى تبقى الفكرة واضحة، فليس المطلوب، عملا بشعار رائج، هو “الرحيل” القسري لهؤلاء، فذلك لا يمت إلى الروح الديمقراطية بصلة. بل المطلوب هو وضع المسالك والمساطر وأنماط الاقتراع الكفيلة بتجديد نخبة سياسية تكاد لا تتجدد.
بقيت كلمة عتاب لا بد منها لبعض المنظمات النسائية، وهي جميعها محط احترامنا. إن دعمها المطلوب لهذا الطموح لذو قيمة رمزية كبيرة. إنه الوعي بأن حضور النساء في المعادلة المؤسساتية لم يتحقق إلا نتيجة رفع الضرر عنهن، ذلك الضرر المتمثل في إقصائهن من المشاركة في تدبير الشأن العام بسبب ثقافة سياسية رائجة لا قِبَل لهن بمواجهتها تاريخيا إلا عن طريق نمط اقتراع تمييزي. وهن إذ يقدمن على خطوة مثل هذه لا يفعلن أكثر من رد الجميل للقوى التي آزرت كفاحهن حين لم يكن يُلتفت إلى مطالبهن، وذلك في شكل دعم لشباب متعطش للمشاركة، لا يطلب غير تكذيب أطروحة العزوف عن السياسة والشأن العام….
لا أطلب رحيل القدماء، أريد أن ينصتوا بسعة صبر إلى المستقبل الذي يدق على الأبواب ويفتحوها، قبل نفاد صبر الواقفين عليها…

بقلم: صلاح الوديع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق