خاص

بانوراما رمضان: في رحاب الزوايا 3

الزاوية الدرقاوية… ترفض البدع والخروج عن السنة

تعاظم نفوذ الزوايا بالمغرب، رغم التحولات التي عرفها البلد  في اللحظة المعاصرة، ما يؤشر على مدى تجذرها في المجتمع، والارتباط القوي للعديد من الناس بها.
وانتشرت الطرق والزوايا على فترات متلاحقة في المغرب، إلى درجة أنه لا تكاد تخلو منطقة، قريبة أو نائية، من زاوية تأوي ضريح

ولي صالح، يشكل مزارا للعديد من الناس.
ولعبت الزوايا أدوارا معقدة، دينية(روحية)، ووطنية، (الجهاد ضد المستعمر)، ونفسية (البركة وطلب الاستشفاء من الأمراض).
ورغم التحولات التي عرفها المغرب، سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، طيلة مراحله التاريخية المختلفة، فإن الزوايا شكلت مجالا لاستقطاب الزوار الباحثين عن الطمأنينة الروحية، من خلال التعبد، أو الراحة النفسية.
يقول «ميشو بيلير»، إن الطوائف الدينية اضطلعت بدور كبير في تاريخ الإسلام، خاصة في منطقة شمال إفريقيا، مشيرا، بهذا الخصوص، إلى تأسيس الدولتين المرابطين والموحدية، ومذكرا بوجود صعوبة في تحديد من كان وراء جلب المذاهب الصوفية إلى المغرب لأول مرة، انطلاقا من الشرق، مبرزا أن تلك المذاهب دخلت إلى المغرب ابتداء من القرن الرابع الهجري.
بمناسبة شهر رمضان ، تسلط « الصباح» الضوء على  أهم الزوايا المعروفة بالمغرب، والتي تستقطب أعدادا كبيرة من الناس، مع التركيز على سياقها التأسيسي، ومنهاجها التربوي والروحي…

تأسست الزاوية الدرقاوية مع مولاي العربي الدرقاوي، دفين بني زروال بفاس، والذي عاش خلال الفترة ما بين 1732، و1823 . تتميز بكثرة أتباعها، وانتشار العديد من الطرق المتفرعة عن الطريقة الأم، في البلاد الإسلامية. وتوفي مؤسس الزاوية مخلفا حوالي أربعين ألف من تلامذته.   
نشأ مولاي العربي الدرقاوي، واستقر ببني زروال، حيث يوجد ضريحه، وعرف بزهده عن الدنيا وزخرفها، وتمسكه بالفاقة
والافتقار، وإيثاره للذلة والاحتقار، وحذره مما ألفه الناس من الجمع والادخار.  
وقال الشيخ العلامة أحمد بن عجيبة الأنجري الحسني «مكث مولانا العربي على هذه الحالة الموصوفة خمسًا وعشرين سنةً، لا يترك من عشائه لغدائه، ولا من غذائه لعشائه، بل حتى ما يكون في الصباح من دهن الفتيلة، أي فتيلة المصباح الزيتي الذي كان يستعمل للإضاءة ليلاً، ثقةً بالله، واعتصامًا بالله».  
من أقوال مولاي العربي الدرقاوي «إن الإكسير الحقيقيّ يا أخي الّذي يقلب الأعيان حقيقة لا محالة، ويملك به الإنسان نفسه، والإنس، والجنّ، وما لا يتصوّره في عقله، ويفوز بخيريّ الدنيا والآخرة، هو ما أتانا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الله تعالى في كتابه العزيز: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )، وإن شئت قلت هو الفطرة، والنيّة، والمحبّة، والقناعة، والمسكنة، والصدق، والشوق، والعشق، والتواضع، والظنّ الحسن، والخلق الحسن، والسخاء، والحياء، والوفاء بالعهد، والوقوف عند الحدّ والتذلّل لله، والصبر على ابتلاء الله، والاكتفاء بالله وتعظيم شرائع دين الله، أو نقول متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم، ومتابعة الثقاة الكبار من الأمّة المحمّديّة، وهم كثيرون أحياء وميّتين رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا ببركاتهم». قيل إنه كان آية بالمعرفة بكتاب الله، والعمل، والكرم، والحلم، والصبر، والتأنّي، والفقه، والورع.  
تُجمع الدراسات التاريخية أن بداية تأسيس الزاوية الدرقاوية كان بشمال المغرب، بمنطقة أمجاط، في القرن الثامن عشر. وتشكل الطريقة إحدى أهم الزوايا التي تمكنت من استقطاب أتباع عديدين. ويذهب عبد الله استيتو، في» الزاوية والمجتمع القبلي والمخزن»،  إلى أن الطريقة الدرقاوية تمكنت من الإسهام في إرجاع  المصداقية إلى التصوف، بعدما انحرف خلال أواخر القرن الثامن عشر، فصار الاهتمام منصبا على المكاسب المادية، وساد الترف والكسل بين أتباعها. وركز المؤسس الأول للزاوية على الدعوة إلى الزهد والتقشف، للتصدي لتهافت الأتباع على المناصب والامتيازات ومراكمة الأموال والمنافع المادية.  
ويطلق اسم درقاوة على أتباع الزعيم الروحي للطريقة الدرقاوية، أبي عبد الله محمد بن يوسف، أحد شرفاء الأدارسة، والذي كان يلقب بـ  «بودرقة»، أي صاحب الدراقة، وهي واقية تقيه من السهام خلال المعارك والحروب. ولازم هذه الدراقة إلى أن وافاه الأجل بالشاوية، وتميز الدرقاوة بلبس المرقعة، وحمل السبحة الكبيرة حول العنق، واتخاذ العصا والسؤال.
انخرطت الطريقة بقوة في المجال الديني، قبل أن تنجر نحو العمل السياسي، على إثر التدخل الفرنسي في الجزائر في 1830، وتحرش السلطات الفرنسية بالمغرب، في الوقت الذي كانت السلطة المركزية تشكو الضعف، وهو ما انعكس، بالخصوص في هزيمة المخزن في معركة إيسلي (1844)، ما فتح المجال للزاوية لكي تتقوى، ويكثر أتباعها. وتبنى أتباع الزاوية الدرقاوية موقفا معاديا لاحتلال أجزاء من العالم الإسلامي، ما أسهم في امتداد إشعاع الطريقة لتمتد إلى أقطار المغربي العربي، خاصة الجزائر.
دخلت الطريقة في صراع مع المخزن، خاصة ضد المولى سليمان، بعد  مجموعة من الأحداث التي قادت إلى التوتر في العلاقة بين الزاوية  والسلطات،  منها موقف السلطان من ثورة درقاوة بالجزائر، ومحاربته لبعض ممارسات الطرقية، فنشأ التنافس على النفوذ.
وشكلت انتفاضة مرتيل الحدث البارز الذي أشعل فتيل المواجهة بين درقاوة والمخزن، إذ تعرض مرسى مرتيل في فبراير 1794، حسب  ما ورد في» الزاوية والمجتمع القبلي والمخزن»، إلى هجوم قبائل مجاورة لتطوان أدى إلى مقتل أربعة بحارة إسبان، وثمانية حراس مغاربة، وإحراق خمس سفن إسبانية، وهو ما أدى إلى مضايقات ضد الطريقة، قادت، في نهاية المطاف، إلى محاكمة درقاوة بتطوان سنة 1794، وأدى الانتشار المتزايد والسريع للطريقة، إلى تأليب عدد من الزوايا الأخرى ضدها، إذ أن محاكمة درقاوة بتطوان، حسب بعض المصادر، كانت بإيعاز من الريسونيين، الذين  حظوا بدعم من المخزن. وتعتبر الطريقة مذهبا صوفيا سنيا، ترفض البدع والخروج عن المذهب السني. وتقوم على عبادة الله واتباع سنة رسول الله، وتلتزم بتعاليم الإسلام.   

جمال بورفيسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق