حوادث

دراسة: المسؤولية الجنائية في قوانين التعمير (1/2)

مسؤولية الشخص المخالف ومسؤولية الجهات المكلفة بضبط مخالفات

يطرح مجال السكنى والتعمير عدة مشاكل على أرض الواقع بحكم ارتباطهما المباشر بالحاجيات اليومية و الأساسية للسكان . وبالنظر إلى أهمية هذا المجال الحيوي و دوره في توفير السكينة والراحة للمواطنين، نجد الدولة تتدخل لوضع أسس عمرانية وقانونية ألزمت مراعاة  قواعدها، فعهدت إلى السلطات الإدارية مهمة المراقبة و الإشراف والترخيص وتتبع كل ما له ارتباط بهذا القطاع.

كما تولت الدولة سن عدة نصوص زجرية بمعاقبة كل من سولت له نفسه مخالفة القوانين المتعلقة بميدان التعمير، بالإضافة إلى تدخل كل من الإدارة والقضاء لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه وذلك بهدم البناء المخالف.
ومن المعلوم أن كل مخالفة لقوانين التعمير ترتب المسؤولية الجنائية للمخالف. وسوف نبين حالات التجريم في قانون التعمير و التجزئات العقارية، قبل التطرق لموضوع المسؤولية الجنائية لكل من خالف قوانين التعمير أو شارك في ذلك.
أولا : تحديد حالات التجريم في قانوني التعمير والتجزئات العقارية  
حالات التجريم في قانون التعمير (القانون رقم 90-12 )، من خلال القيام ببناء جديد أو تعلية أو توطئة للأرض من شأنها تغيير حالتها، في الأراضي التي يشملها الطريق المحدث بمقتضى قرار رئيس المجلس الجماعي (وهي أعمال ممنوعة طبقا لأحكام الفقرة 2 من المادة 34 من قانون التعمير). والقيام ببناء دون ترخيص بذلك (وهو الترخيص الذي يمنح بمقتضى المادتين 40  و 42 من قانون التعمير)، واستعمال المبنى دون الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة (طبقا لمقتضيات المادة 55 من قانون التعمير)، وتغيير الغرض الذي خصص للمبنى بعد الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة (طبقا للمادة 58 من قانون التعمير).
وخرق ضوابط البناء العامة أو الجماعية المنصوص عليها في المادتين 59 و 61 ( و هي المتعلقة بشروط السلامة و متطلبات الصحة و المرور و قواعد استقرار المباني ومثانتها وشروط التهوية وتدابير الوقاية من الحريق وطرق الصرف الصحي والتزويد بالماء الصالح للشرب)، وخرق ضوابط التعمير.
كل هذه الحالات تضمنتها المادة 66 من قانون التعمير، وحددت المواد من 71 إلى 75 العقوبات والتي هي عبارة عن عقوبات مالية لا تتجاوز في أقصاها 100 ألف درهم.
ب‌-    حالات التجريم في قانون التجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات (القانون رقم : 90-25).
إحداث تجزئة أو مجموعة سكنية أو مباشرة أعمال تجهيز أو بناء دون إذن ( المادة 63).
بيع أو إيجار أو قسمة بقع من تجزئة أو مساكن من مجموعة سكنية أو عرض ذلك للبيع أو الإيجار قبل الحصول على الإذن بإحداث التجزئة أو المجموعة السكنية أو قبل التسليم المؤقت للأشغال (المادة 64).
3. عدم الحصول على الإذن بالتقسيم في الحالات المنصوص عليها في المادة 58.
المسؤولية الجنائية للمخالف  
المقصود بالمسؤولية الجنائية الأثر القانوني المترتب عن  الجريمة والتي تقوم على تحمل الفاعل للجزاء الذي تفرضه القواعد القانونية الجنائية بسبب خرقه للأحكام التي تقررها هذه القواعد .
فالمسؤولية الجنائية  تعني تحمل نتائج ما ترتب عن الفعل المجرم . ويمكن تصورها في القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل جرمه القانون مما تسبب في إلحاق ضرر بالمجتمع.
و قد عدد المشرع الوقائع التي ترتب المسؤولية الجنائية وذلك في الفصل 132 من القانون الجنائي الذي جاء فيه أن، كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا عن الجرائم التي يرتكبها، الجنايات أو الجنح التي يكون مشاركا في ارتكابها، محاولات الجنايات، ومحاولات بعض الجنح ضمن الشروط المقررة في القانون.
و في إطار تحديد المسؤولية الجنائية في قوانين التعمير، يتعين التمييز بين مسؤولية الشخص المخالف ومسؤولية الجهات المكلفة بضبط مخالفات التعمير ومسؤولية المشرفين على الأشغال أو البناء.
المسؤولية الجنائية للشخص المخالف
يعتبر مخالفا كل شخص ثبتت في حقه إحدى حالات التجريم المنصوص عليها سواء في قانون التعمير أو في قانون التجزئات العقارية، مما يرتب مسؤوليته الجنائية التي تؤدي إلى الحكم عليه بالعقوبات المنصوص عليها في قوانين التعمير، ما لم يثبت في حقه ارتكاب أفعال يجرمها المشرع بمقتضى القانون الجنائي كالإرشاء أو استعمال وثيقة مزورة و غيرها …
مسؤولية الجهات المكلفة بضبط مخالفات التعمير
حددت قوانين التعمير الأشخاص المكلفين بمعاينة المخالفات المتعلقة بها، و هم ضباط الشرطة القضائية، و يدخل ضمنهم رجال الأمن الوطني و الدرك الملكي الذين يحملون صفة ضابط الشرطة القضائية حسب مفهوم المادة 19 من قانون المسطرة الجنائية، و الباشوات والقواد.
موظفو الجماعات المكلفون بمراقبة المباني أو المفوض لهم بذلك من طرف رؤساء الجماعات المحلية: ويدخل ضمنهم المهندسون والمهندسون المعماريون والتقنيون وكل موظف بالجماعة يعتمده رئيس مجلس الجماعة لذلك .
الموظفون التابعون لإدارة التعمير والمكلفون بهذه المهمة.
موظفو الدولة الذين يعتمدهم الوزير المكلف بالتعمير للقيام بهذه المأمورية، أو كل خبير أو مهندس معماري، كلف بهذه المهمة بصفة استثنائية من طرف رئيس مجلس الجماعة المعنية أو إدارة التعمير. و الملاحظ أن المشرع المغربي جعل ضباط الشرطة القضائية و من ضمنهم الباشوات و القواد   و ضباط الشرطة القضائية المنتمين لجهازي الأمن الوطني و الدرك الملكي، في قائمة الأشخاص  والجهات المكلفة بضبط مخالفات قوانين التعمير، وذلك حتى لا يترك المجال للجهات الأخرى التي لها ارتباط بالبناء والتعمير، وحدها القيام بمهمة ضبط المخالفات المتعلقة بالتعمير والبناء والتجزئات.
إن الجهات المكلفة بضبط مخالفات قوانين التعمير، تكون مسؤولة  جنائيا في حالة تقصيرها أو تغاضيها عن القيام بمهامها. فقد نص الفصل 250 من القانون الجنائي على معاقبة كل موظف عام تولى استغلال نفوذه  أو وضعيته الإدارية لتمكين الغير من الاستفادة والحصول على امتياز، بجريمة استغلال النفوذ. وهي جنحة يعاقب عليها بالحبس من 4 سنوات إلى 10 سنوات. دون الإشارة إلى جريمة الارتشاء في حالة ثبوت طلب أو قبول عرض أو وعد أو تسلم هبة أو هدية أو أية فائدة أخرى من أجل التغاضي عن تسجيل المخالفة المرتكبة.
مسؤولية المشرفين على الأشغال أو البناء
يعتبر بمقتضى المادتين 76 من قانون التعمير و 67 من قانون التجزئات العقارية رب العمل و المقاول الذي قام بالأشغال والمهندس المعماري والمهندس المختص  أو المشرف الذين صدرت منهم أوامر نتجت عنها المخالفة، مشاركا للمخالف، وتترتب مسؤوليته الجنائية نتيجة ذلك. و هو مقتضى جديد للمشارك حسب قوانين التعمير يضاف إلى المشارك الذي نص عليه الفصل 129 من القانون الجنائي.
من الملاحظات التي تؤاخذ عليها قوانين التعمير أنها لم تكن واضحة بخصوص مسؤولية  رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلس المدينة الذي أصبح يتولى مهاما كبيرة و واسعة خاصة في المدن الكبرى، التي تتأثر أكثر من غيرها في حالة تفشي ظاهرة البناء بدون ترخيص أو القيام بتجزئات غير قانونية، و تغاضي رئيس مجلس المدينة عن ضبط المخالفات و إشعار المسؤولين المحليين من عمال  أو الوالي بذلك.
لذلك يمكن أن تثار مسؤولية رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلس المدينة و مساءلته جنائيا كفاعل أصلي عندما يتولى تسليم رخصة بناء لا تتوافر فيها الشروط القانونية، طبقا لمقتضيات الفقرة 2  من الفصل 361 من القانون الجنائي التي نصت على أن الموظف الذي يسلم أو يأمر بتسليم وثيقة تصدرها الإدارة العامة أو يمنح ترخيصا لشخص يعلم أنه لا حق له فيه، يعاقب بالحبس من سنة إلى 4 سنوات و غرامة من 250 إلى 2500 درهم، ما لم يكون فعله جريمة أشد، أي جريمة الارتشاء طبقا للفصل 248 من القانون الجنائي  أو جريمة استغلال النفوذ طبقا للفصل 250 من القانون الجنائي، عند توافر شروطهما.

بقلم: رشيد تاشفين: أستاذ باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق