خاص

بانوراما رمضان: الخطاب بالإشارة في المراسلات المغربية 11

“55” شفرة كانت تشير إلى ملك المغرب

نقلنا المؤرخ المغربي، الدكتور عبد الهادي التازي، في كتاب دونه على هامش موسوعته الشهيرة حول التاريخ الديبلوماسي للمغرب، إلى خبايا الخطاب بالإشارة في المراسلات المغربية التي لا تخلو من طرائف ومستملحات، وتجسد صلة الوصل بتراث يستعمله المغاربة في كافة مناحي حياتهم اليومية، ملتزمين بالمثل الذي وضعه أسلافهم منذ مئات السنين، والقائل “الحر

بالغمزة والعبد بالدبزة”، وهو مثل “وقفت شخصيا على أنه لا يخص فقط المعاملات اليومية للأفراد، بين أفراد الأسرة الواحدة، والأصحاب، ولا المراسلات الأدبية الغنية بأمثلة الكلام المرموز، بل يشمل المجال السياسي، الذي يعد مرتعا خصبا للخطابات المشفرة”.   
وترافق “الصباح”، على مدار حلقات، المؤرخ المغربي في عدد من المحطات التي حل بها في كتابه المعنون ب “الرموز السرية في المراسلات المغربية عبر التاريخ”، وتعرض خلالها إلى عدد من المراسلات المشفرة التي بعثها سلاطين وملوك المغرب إلى حلفائهم في جهات ودول مختلفة.

ابتدأت “الوثيقة المغربية” بإعطاء رقم لسيد البلاد، كان هو “الخمسة والخمسين”، فمتى تحدّثت بهذا الرقم كنت تعني “الجناب المولوي”. ولابد أن المغاربة جميعهم يميزون إلى اليوم بين الموسيقى التي يعرفون عنها في مجالسهم، ويطلقون عليها اسم “الآلة” بدون نسبة إلى جهة ما، وبين الموسيقى الأخرى التي يطلقون عليها موسيقى “الخمسة والخمسين”، والتي لا يقصدون بها شيئا غير موسيقى الجناب المولوي. وكثيرا ما نسمع مثل هذا التعبير السائر:”ضربت عليه الخمسة والخمسين”، يعني أنه في وضع كوضع الملوك بذخا وعظمة وراحة بال.
وأوضح التازي “سمعنا عن بعض السادة المهتمين بالآلة الأندلسية يقولون، إن القصد بالخمسة والخمسين إلى عدد النوبات الموسيقية مضروبة في عدد الصنائع الخمس، كما قرأنا عن آخرين أن اسم الخمسة والخمسين آت من أن عدد أفراد الجوق كان خمسا وخمسين، ولكني أميل إلى الاعتقاد بأن القصد إلى الجناب العالي، أي ملك المغرب”، مضيفا “لا أظنني بحاجة إلى أن ألتمس تفسيرا لمغزى اختيار “الخمسة والخمسين”، فإن هذا الرقم متيمّن به لدى سائر المغاربة، فهم يذكرونه إزاء كل من يحبونه أو يشفقون عليه من عين حسود. وهم يؤمنون بأنهم عندما يقولون مثلا “خمسة على عين الحسود” يقصدون الآيات الخمس في سورة “قل أعوذ برب الفلق”.
وبعد رقم جلالة الملك، كان رقم الولد(58) والأخ (59) والصهر (68).. ثم كان رقم الوزراء والقضاة والنظار والقواد إلى آخر اللائحة، التي لم تغفل أي موظف سام من موظفي الدولة في الداخل والخارج. وبعد أن تقدم الوثيقة المواد التي تهم الجيش من أسلحة وقطع غيار… والتي تهم المالية، والمهن التي تتصل بالجناب العالي والشكايات والمشور الملكي.. كل برقمه. وبعد أن تقدم المراكز والمدن الساحلية للمملكة المغربية، والمراكز والمدن الداخلية، ثم القواعد الإفريقية والممالك الآسيوية والأوربية والأمريكية. وبعد أن تقدم لنا بعض الرتب البحرية، والدور التجارية التي لها صلة بالأغراض المخزنية. بعد أن تقدم لنا كل ذلك، كل برقمه الخاص به، تنتقل إلى الفصل الثاني، وهو الذي يتعلق بالمفردات والجمل المتداولة في الخطابات الرسمية.
في هذه المرحلة، “نجد أنفسنا مع “قاموس” مقسم إلى قسمين: الأول خاص بالجمل الفعلية، والثاني خاص بالمفردات والحروف، وكلا القسمين مرتب ترتيبا دقيقا على الحروف الهجائية. وهكذا يبتدئ القسم الأول بالأفعال التي تبتدئ بالألف: أخبرنا، أخبرناه، أخبرونا… وعبارات من قبيل “اكتب له مع البوسطى” و”اعمل الواجب عليك ولا تقصر”… وكل جملة يدل عليها بمجموعة عددية لا تتعدى ثلاثة أرقام. ثم يأتي حرف الباء، مثل “بايع”، و”بريء مما نسب إليه”. ثم التاء، من قبيل “توجه على طريق البحر”، ثم الجيم والحاء والخاء والدال: “دافع بالتي هي أحسن”. ثم العين: “عمل لنا تلغرافا”، ثم الياء: “يسّر لنا الأمور المكتوب لك عليها”..”، يشرح المؤرخ.

إنجاز: هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق