شكايات دون جدوى كشفت جرائم سفاح مديونة، عن وجه آخر من المجرمين الذين يعمدون القتل بالتسلسل، فقد اختار أن يبدأ بأقربائه ممن يملكون العقارات، وتخصص في القتل والدفن، وبعد ذلك مواساة أسرة الضحية، والظهور بمظهر البريء الذي يتقاسم العائلة الأفراح والأحزان. أما طريقة الاستيلاء على العقار، فكانت التزوير، بالاستعانة بأشخاص آخرين. تفنن المتهم في إتقان الدور وظل بعيدا عن الشبهات. ورغم شعور بعض أفراد العائلة الكبيرة بالخطر المحدق وشكهم في هذا الرجل الذي تحول إلى ملاك لعقارات كانت بالأمس القريب مملوكة لأحد ضحاياه الذي لم يكن إلا عمه، ظل بحث الدرك الملكي بالمنطقة مترددا في حسم الموقف. وكان اتساع الرقعة الجغرافية بين ابن مسيك والحي الحسني ومديونة، حيث منازل أطراف القضية، عاملا آخرا ساهم في بقاء المتهم حر، بسبب عدم الاختصاص أو الشك في أن الجريمة لم تقع بمناطق نفوذ كل جهاز على حدة، ما شجع المتهم على اقتراف المزيد من جنايات القتل، معتقدا أنه ينفذ الجريمة الكاملة وأنه لا يترك دليلا وراءه، مستعينا بسخاء نادر في التغطية على أعماله الوحشية.... كان مسكن السفاح المجاور للمقهى كان مكانا لإقامة الليالي الحمراء لرجالات الدرك، الذين كانوا يلجؤون إليها كلما أرادوا الاختلاء بعشيقاتهم و معاقرة الخمرة على إيقاعات أغاني شعبية كانوا يسلموا أنفسهم لها بشكل تام.و هذا ما يفسر أن العناصر الأمنية بالمنطقة لم تعر أي اهتمام لشكايات أم الضحية خليل باجي، عندما جاءت تخبرهم عن اختفاء ابنها وتحميل مسؤولية ذلك للسفاح، لكن لا أحد اهتم لحالها، حتى تفجرت فضيحة وجود خليل هيكلا عظميا مدفونا في قعر بئر عميق بجوار المقهى المذكور، وكما هي عادة القدر إذا دبرا أمرا قدر أن تكون أم خليل، أمباركة الهاشمي، هي من فك لغز جريمة اختفاء ابنها ومن وضعت الحلقة الأخيرة لمسلسل طويل من سفك الدماء، كان سيضيف ضحايا آخرين أبرياء إلى قائمة ضحايا السفاح لولا يقظة أم خليل التي وجدت في شكاية وجهتها إلى الوكيل العام للملك، الذي أحالها على أمن بن امسيك‘ بداية العد العكسي للعثور على ابنها، بعد أن تم تجاهلها من طرف درك مديونة، وايضا الأمن حيث كان يقطن السفاح بفيلته الفاخرة بحي إسلان، إذ بعد القبض عليه اعترف في محضر رسمي بتصفيته لابن خالته خليل وبائع الفول الذي كان يقطن عنده بمسكن يجاور المقهى التي دفنه فيها.ليتم العثور على رفات الجثتين في المكان نفسه تقريبا لا تفصل عن بعضهما البعض إلا مسافة حوالي 10 أمتار ومازال المكان – حسب إفادة علمية – حافلا بجثث ضحايا آخرين على رأسهم قاسم التجاري وضحايا آخرين كانوا على صلة بالقاتل، ومازالت ملفاتهم معلقة إلى حدود اليوم. وحده استكمال عملية الحفر ببهو مقهى القاتل بدوار بلعربي، سيبين ما إذا كان المكان يحتوي على جثث ضحايا آخرين أم لا، حتى و إن كانت عدة مصادر عليمة تشير إلى أن السفاح حول مقهاه إلى مقبرة حقيقية تخلص في جوفها من أقاربه و معارضيه. المصطفى صفر