يجب ألا يستحيي المفتي من قول لا أدري حدد الفقهاء والعلماء السابقون أو المعاصرون مجموعة من المواصفات والمؤهلات التي يتعين أن تتوفر في المفتي، التي إذا لم تتوفر في الشخص، فإنه لا يكون مؤهلا للإفتاء، ولا يجب أن تصدر الفتوى عنه، كما أن الدولة مطالبة بمراقبة مجال الفتوى والتحقق من مدى توفر الشروط والمواصفات في الشخص الذي تصدر عنه، تحت طائلة اتخاذ عقوبات ضده، مادام أن مجالها لا يقل أهمية وخطورة عن المجالات الأخرى المنظمة بالقانون والتي تهم الحياة المجتمعية، خاصة أن الفتوى أصبحت تلج إلى كل البيوت سواء عبر الفضائيات أو الإنترنيت أو من خلال الأقراص المدمجة أو مختلف وسائل الاتصالات الأخرى.وخلال السنوات العشر الأخيرة ركزت الجهود من أجل إصلاح المجال الديني، الذي أصبح يعاني اختلالات كبرى، ما أدى إلى بروز توجهات متطرفة شيوخ تكفيريين يصدرون فتاوى غريبة لاقت استهجان الجميع دون أن تكون لهم المؤهلات العلمية لذلك، ودون التقيد بالضوابط الفقهية التي حددها العلماء. من خلال هذه السلسلة نستعرض عددا من الشروط التي يتعين توفرها في المفتي والضوابط الفقهية التي يتعين التقيد بها. أوصى العلماء ألا يستحي الشخص المستفتى في قول "لا أدري" إن كان لا يدري، ولو كانت المسألة سهلة. ويذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي البلاد شر؟ فقال: «لا أدري»، فسأل جبريل فقال: «لا أدري»، فسأل ربه عز وجل فقال: أسواقها .وعن الأثرم، قال: "سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول:»لا أدري»، وذلك فيما عرف الأقاويل فيه .وسئل الإمام مالك، رحمه الله، عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها:»لا أدري»، أي لم يجب إلا على أربع مسائل فقط من أربعين مسألة .وسأله رجل عن مسألة فقال :»لا أدري» فقال: يا أبا عبد الله تقول «لا أدري»؟ قال: نعم، فأبلغ من ورائك أني «لا أدري"، وقال : سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده « "لا أدري «، حتى يكون ذلك أصلا في أيديهم يفزعون إليه .قال الصيمري، رحمه الله، قال بعض العلماء: ينبغي أن يكون توقفه في المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده .قال الشافعي، رحمه الله، على العالم ألا يقول في مسألة: «لا أعلم» حتى يجهد نفسه في النظر فيها ثم يقف. وإذا كان لا يعرف الجواب، فإنه لا يحيل السائل إلا على مفت ثقة متبع للسنة. قال أبو داود في مسائله: قلت لأحمد: الرجل يسأل عن المسألة، فأدله على إنسان يسأله؟ فقال: إذا كان هذا الإنسان متبعا ويفتي بالسنة .من جهة أخرى، يوصي العلماء أنه إذا صح في المسألة قولان أو أكثر وكانت كلها جائزة شرعا، فإن على المفتى أن يرشد السائل إلى أفضل الأقوال في حقه وأصلحها له. قال صلى الله عليه وسلم: « من أشار على أخيه بما يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه». كما على المفتي أن يرشد السائلين إلى مواضع الرخص .قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه».من جهة أخرى، أكد كل العلماء أنه يحرم على المفتي إفتاء الناس وتعليمهم الحيل المؤدية إلى استحلال ما حرم الله .وسمى بعض العلماء المفتي الذي يعلم الناس مثل هذا النوع من الحيل بـالمفتي الماجن وجعل ذلك من عوارض أهليته .وقال ابن القيم، رحمه الله: لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق، وحرم استفتاؤه.واشترط في الإفتاء أن يفتي طالب الفتوى وهو معتدل الحال في جسمه ومزاجه، فارغ القلب للناس ومسائلهم. قال النووي، رحمه الله، في هذا الباب، «ينبغي أن لا يفتى في حال تغير خلقه وانشغال قلبه بما يمنعه التأمل كغضب وجوع وعطش وحزن وفرح غالب ونعاس أو ملل أو حر مزعج أو مرض مؤلم أو مدافعة حدث، وكل حال يشتغل فيه قلبه ويخرج عن حد الاعتدال، فإن أفتى في بعض هذه الأحوال وهو يرى أنه لم يخرج عن الصواب جاز. عبد الواحد كنفاوي