شيوخ غير راضين عن وضع فن الملحون أبدع “شيوخ الكلام”، قصائد ملحونية رائعة بمعان مختلفة زخرفوها بشكل ميزها عن كل ألوان الشعر في عاميته وفصاحته، وتلاوين الغناء في إيقاعاته. وتستحق قصص تجاربهم، إبحارا وبحثا قد لا تكفي محدودية حلقاته، في محاولة نفتح أعين القارئ فيها، على حقائق مذهلة نترك إليه، اكتشافها. “عظم الله أجركم يا أصحاب الأذواق. غابت فنون الموسيقى وخرف السوق”.. هكذا هجا الشيخ محمد بن أحمد المدغري، الملقب ب”العيساوي الفلوس”، وضع فن الملحون، فيها يشبه “العزو”، بعد أن فقد قيمته الإبداعية وامتهنه من لا حرفة له، ما قلص من اهتمام المغاربة به. وسار على الطريق نفسها في الهجو وعدم الرضى، زميله الشيخ عبد القادر العلمي، القائل “لمن نعيد البيات ويقول عجيبة، مولانا عفاه ليس عينك تنظر معطاه”، فيما قال محمد بنعلي، في ذلك، “غابو أهل الهوى واضحى سوقي منهم خالي ولاو بيه يدعيوا من لا يدريوا ليه صلة”. ولم يكن الشيخ الجيلالي متيرد أو لحلو، بدوره راضيا على وضع الملحون، فقال “ساب الكلام مضا وهلو تفرقوا وليس جبر والي”، فيما أكد محمد بنسليمان أصغر شيوخ الفن، امتعاضه من مآل “ديوان المغاربة”، بقوله “سابت أهل الطرقة ودخل لها منوالة وعاد الكلام يدالى للحتايل الهرثالة”.هذا الامتعاض ساد في لحظة من لحظات تراجع هذا الفن، لكن الشيخ الحاج امحمد النجار، لم يكن متحمسا لآراء زملائه، فساءلهم عن سر ذلك، في حربة إحدى قصائده، “لا زال الخبر ف الإسلام، ولا زالت منهم نسبة سال وصقصي، تصيب قومان لا ينعابو”، ليحسم ذاك الجدال الوجودي لفن أصيل. ولا ينكر فنان الملحون محمد السوسي، وجود أشخاص يسيئون إليه، دون أن ينفي احتضانه لأصوات جميلة فيهن فتيات وفتيان وفنانين وفنانات، برعوا من حيث النظم والأداء، وباحثين ودارسين اهتموا بهذا الإرث، الذي أصبح يدرس في الجامعات، ذاكرا فضل محمد الفاسي وعباس الجيراري.هذان الهرمان، قال إنهما يجمعان شتات هذا الفن، الذي أبرز أن له ارتباطا وثيقا ورئيسيا مع الفن النبطي في الجزيرة العربية خاصة في “المبيت”، ذاكرا قصة وفود شرفاء من تلك الجزيرة على تافيلالت واستقرارهم بها، وفضلهم في نظم قصائد الملحون، بعد أن أضحى “دمهم فيه شعر”.ويقاس الملحون والفن النبطي، وفق المشرقي أو التائية أو قياس الوردة، ويتميزان باحتوائها صدرا وعجوزا، مشيرا إلى قابلية الملحون للتجديد على أساس الحفاظ على طبيعة القصيدة ومضمونها، موردا حالة فناني الجزائر الذي يحولون أغاني الملحون، إلى ألحان شعبية جميلة.ولو كانت تلك التجربة المجددة سبقتهم إليها، مجموعتا ناس الغيوان وجيل جيلالة، فالجزائريون كانوا أكثر استفادة من هذا الفن، كما الحال في “الحمام اللي والفتو، مشى علي، من نظم امحمد العنقة، الموزونة على إيقاع “اللام المرشوق” للتهامي المدغري.وتبقى “للا فاطم الزهراء” واحدة من الأغاني التي يغنيها الجزائريون كاملة، في الكباحي، وهي التي تقول في حربتها “أللا فاطمة بنت الرسول طه، حرمة باباك عالجيني بحسانك، ما نشوف صهد النار”، فيما أورد السوسي عدة أمثلة لقصائد مغربية الإبداع، غنيت بطريقة مختلفة وجميلة بالجزائر.وتحدث عن وجود 264 قياسا (لحن) للمحلون اللازم أن يكون مرفوقا بنبرات جميلة وصوت حسن، نسبة منها لا تجد من يهتم بها من الخمسينات إلى الآن، اللهم من 40 قياسا متوفرة، مشيرا إلى ضياع عدة قياسات، على غرار ما فقده الفن الأندلسي، من نوبات تقلصت من 24 إلى 11 نوبة فقط. ورغم هذا الوضع، لا يمكن الخوف على مستقبل هذا الفن في ظل وجود مبادرات لتجديد شرايينه، وهو الفن الوحيد المعتمد على ثلاثة إيقاعات للإنشاد في الحضاري ب”الدريدكة” أي الانصراف، أو بالكباحي أو العكس، مقابل نغمات الاستهلال والزريكة والبياتي والحكاز الكبير والمشرقي وصبيهان.وثمة نغمات أخرى ما زالت محافظة على وجودها، كما الصيكة والرصد والعجم والنهوان والمحررة المسماة “العراق”، فيما يحافظ هذا الفن على حرص المنشد أو الكرايحي، على الاحتفاظ بمضمون القصيدة وتفريز الألفاظ والمعنى عند الوقفات والمد، لإعطاء نغم خاص، لأن “الملحون فراجتو فكلامو”. حميد الأبيض (فاس)