مالك: العجلة في الفتوى جهل وخرق حدد الفقهاء والعلماء السابقون أو المعاصرون مجموعة من المواصفات والمؤهلات التي يتعين أن تتوفر في المفتي، التي إذا لم تتوفر في الشخص، فإنه لا يكون مؤهلا للإفتاء، ولا يجب أن تصدر الفتوى عنه، كما أن الدولة مطالبة بمراقبة مجال الفتوى والتحقق من مدى توفر الشروط والمواصفات في الشخص الذي تصدر عنه، تحت طائلة اتخاذ عقوبات ضده، مادام أن مجالها لا يقل أهمية وخطورة عن المجالات الأخرى المنظمة بالقانون والتي تهم الحياة المجتمعية، خاصة أن الفتوى أصبحت تلج إلى كل البيوت سواء عبر الفضائيات أو الإنترنيت أو من خلال الأقراص المدمجة أو مختلف وسائل الاتصالات الأخرى.وخلال السنوات العشر الأخيرة ركزت الجهود من أجل إصلاح المجال الديني، الذي أصبح يعاني اختلالات كبرى، ما أدى إلى بروز توجهات متطرفة شيوخ تكفيريين يصدرون فتاوى غريبة لاقت استهجان الجميع دون أن تكون لهم المؤهلات العلمية لذلك، ودون التقيد بالضوابط الفقهية التي حددها العلماء. من خلال هذه السلسلة نستعرض عددا من الشروط التي يتعين توفرها في المفتي والضوابط الفقهية التي يتعين التقيد بها. أوصى العلماء بالتجرد في الفتوى، وأن يفتي الشخص بما أنزل الله، وأن لا يتبع الهوى لإرضاء جهة معينة، وأن لا تأخذه في الحق لومة لائم، وذلك مصداقا لقوله تعالى في سورة المائدة "وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ".قال النووي، رحمه الله،: «ومن التساهل في الفتوى أن تحمل المفتي الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره".وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، رحمه الله،: "وينبغي أن يكون المفتي كالراوي في أنه لا تؤثر فيه قرابة وعداوة، وجر نفع ودفع ضر .فهذه أمانة عظيمة ينبغي على المفتي أن يراقب الله فيها، ويعلم أنه محاسب بين يدي الله غدا عن كل كلمة كانت في فتوى أو غيره، فلا يفضل نفسه أو صديقه أو قريبه في الفتوى ويشدد على الآخرين، وليذكر دائما أنه يفتي بشرع الله، والناس عند الله سواء" .وحذر العلماء من الاندفاع إلى الإفتاء اندفاعا والتسابق إليه وعليه .قال الخطيب البغدادي، رحمه الله، : " من حرص على الفتوى، وسابق إليها، وثابر عليها قل توفيقه، واضطرب في أمره، وإذا كان كارها لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه، وقدر أن يحيل بالأمر فيه على غيره، كانت المعونة له من الله أكثر ، والصلاح في فتواه وجوابه أغلب» وروى بسنده عن ابن عيينة، رحمه الله، قال : « أعلم الناس بالإفتاء أسكتهم فيه، وأجهل الناس بالفتوى أنطقهم فيها" .في السياق ذات أوجب العلماء أن يكون المفتي عزيزا لا يستجدي بالإفتاء ولا يرتكب شيئاً يخل بشرف منزلته .وذكر الآمدي، رحمه الله، في كتابه "الإحكام" أنه يستحب للمفتي أن يكون متصفا بالسكينة والوقار، ليرغب المستمع في قبول ما يقول، كافا نفسه عما في أيدي الناس، حذرا من التنفير عنه".قال النووي، رحمه الله،: المحبد بالنسبة إلى المفتي أن يفتي الناس دون مقابل للمتصدي، لكن يجوز أن يأخذ على ذلك رزقا من بيت المال، وقال الصيمري والخطيب، رحمهما الله، : " لو اتفق أهل البلد فجعلوا له رزقا من أموالهم على أن يتفرغ لفتاواهم جاز، أما الهدية فقال أبو مظفر السمعاني، رحمه الله، : "له قبولها قال أبو عمر : وينبغي أن يحرم قبولها إن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد" . من جهة أخرى يوصي العلماء بعدم التعجل في الفتوى حتى يستوعب المفتي ويضبط المسألة . قال الإمام مالك، رحمه الله،: "العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق".وقال النووي، رحمه الله،: « يحرم التساهل في الفتوى ومن عرف به حرم استفتاؤه، فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر «. عبد الواحد كنفاوي