المسلمون أصبحوا في وضع دفاع عن النفس الإسلام في أمريكا من أسرع الديانات انتشارا، إذ يوجد أكثر من ستة ملايين مسلم في الولايات المتحدة يعيشون كلهم في ظل أحداث حادي عشر شتنبر. ففي أعقاب تلك الأحداث أصبح أغلب الناس في أمريكا يعتنقون وجهة نظر واضحة: المسلمون إرهابيون، والإسلام دين عنف، والمسلمون متأخرون يشعرون برغبة في الانتقام من الغرب. وهكذا أصبح إيجاد هوية أمريكية إسلامية متميزة أكثر إلحاحا عما كان في الماضي، فبعد أحداث حادي عشر شتنبر أصبح المسلمون في وضع دفاع عن النفس، بينما كان آخرون يحددون بصورة مستمرة هويتهم وديانتهم، فبالنسبة إلى العديد من المسلمين أصبح حادي عشر شتنبر صيحة استيقاظ: إما أن يعتنقوا ويشرحوا معنى العقيدة الحقيقية أو ينضموا إلى التفجيرات الانتحارية في قطاع غزة أو المقاتلين في شوارع بغداد.وهذه الحلقات من كتاب «مكة والاتجاه العام... حياة المسلمين في أمريكا بعد حادي عشر شتنبر»، يعتبر رحلة شخصية لجنيف عبده، وهي مؤلفة وصحافية أمريكية عربية مشهورة أفاقت في حادي عشر شتنبر على هوية جديدة فرضت عليها، بصبغة عربية أكثر وأمريكية أقل. الكتاب ينظر إلى حياة المسلمين نظرة تختلف تماما عن التخيلات والشخصيات النمطية، والإكلشيهات التي تسيطر على الخيال الأمريكي، والذي نورد منه الحلقات التالية: أدى تحرير قوانين الهجرة في سنة 1965 إلى تخفيف القيود أمام المهاجرين من العالم الإسلامي، وبدأ وجه الإسلام في أمريكا يتغير فورا، ومنذ تلك اللحظة أصبح مجتمع المهاجرين ينمو إلى جانب المسلمين السود، والواقع أن المسلمين المهاجرين سرعان ما زادت أعدادهم على من اعتنقوا الإسلام من الأمريكيين الأفارقة. وكانت في تلك الأثناء قد بدأت صحوة إسلامية عالمية في الظهور، أطلقتها الثورة الإسلامية في إيران في سنة 1979، وانتصار المسلمين على حكم السوفييت في أفغانستان، وقد كان لهذه الأحداث تأثير على المسلمين من باكستان إلى مصر، وأراد العديد من المهاجرين الذين وصلوا إلى أمريكا من تلك البلدان بدءا من السبعينات من القرن الماضي في ممارسة شعائر دينهم بكل دقة. وقد بدؤوا في بناء المساجد والمدارس الإسلامية في جميع أنحاء البلاد، رغم قلة عددهم في البداية.وقد كان من المحتم أن يحدث صدام بين المسلمين الأمريكيين الأفارقة والمسلمين المهاجرين. فقد كان الأمريكيون الأفارقة وكان المسلمون الذين وصلوا حديثا يثيرون تساؤلا سيطر على تاريخ الإسلام في الولايات المتحدة: من هو المسلم الحقيقي؟، وكانت "أمة الإسلام" و"جمعية المسلمين الأمريكية"، التي كان والاس دين يصر على تطويعها للاتجاه للإسلام السني في نظر المهاجرين، ليست أكثر من تقليد للعقيدة الحقيقية.وبحلول تسعينات القرن الماضي، كانت "أمة الإسلام" قد فقدت بريقها وأصبح والاس دين يشعر بخيبة أمل، وقد أخبرني في سنة 2003 أنه قد تنحى عن رئاسة "جمعية المسلمين الأمريكية" لأن الكثيرين من أئمة المصلين في المساجد في جميع أنحاء البلاد يرفضون إتباع منهجه الإسلامي، وإتقان اللغة العربية والأخذ بتعاليم القرآن. وقال إنهم منغلقون على رسالة أبيه إليجا محمد الانفصالية. ويرى بعض المسلمين البارزين من الأمريكيين الأفارقة، مثل العالم شيرمان جاكسون، أن التركيز المبالغ فيه على العرقية بين المسلمين الأمريكيين الأفارقة الحالية يهدد بانحسار نفوذهم داخل المجتمع الأوسع للمؤمنين.ومع الانحدار الذي أصاب الإسلام الأمريكي الإفريقي المنظم، تقدم جيل ما بعد 1965 بأفضل أمل لكي يقرر وبصورة نهائية ما يعنيه أن يكون الفرد مسلما في أمريكا، فالعديد منهم يعمل بجد لخلق مجتمع إسلامي متعدد الثقافات، لا يلقى اعتبارا للون البشرة. وهم يلهمون الشباب الأمريكي الإفريقي للالتحاق بمدارسهم ومنظماتهم، وترك تقاليد آبائهم بالصلاة والزواج والارتباط بالمسلمين فقط من خلفيتهم العرقية نفسها.وقد أصبح إيجاد هوية أمريكية إسلامية متميزة أكثر إلحاحا عما كان في الماضي، فبعد أحداث حادي عشر شتنبر أصبح المسلمون في وضع دفاع عن النفس بينما كان آخرون يحددون بصورة مستمرة هويتهم ودياناتهم. وقد أخبرني العديد من المسلمين أن حادي عشر شتنبر كان صيحة استيقاظ: إما أن تعتنقوا وتشرحوا معنى العقيدة الحقيقية، أو تنضموا إلى التفجيرات الانتحارية في قطاع غزة، أو المقاتلين في شوارع بغداد.لم يكن يخطر ببال الشيخ حمزة يوسف أن تأتي لحظة يرتفع فيها صوته مرددا نشيد "حفظ الله أمريكا" وفي بيت لم يكن يعجب به قط. لقد كانت تلك مناسبة هامة جدا، بلغ من أهميتها أنه غير كل ما يتعلق بمظهره وسلوكه تقريبا. فقد ترك عباءته التقليدية وغطاء رأسه في منزله في كاليفورنيا وحزم مجموعة من السراويل الداكنة جيدة الكي وقمصان بيضاء. وشذب لحيته الصغيرة وروض لسانه، واستبدل ببلاغته الفكرية لغة تلفزيونية سهلة. وللتأكيد على أنه أمريكي، إلى جانب أنه مسلم، قدم نفسه باسم حمزة يوسف هانسون، مستخدما اسم عائلته الذي كان يحمله قبل أن يعتنق الإسلام. لقد كانت المناسبة تتطلب ذلك، فقد كان يقف في المكتب البيضاوي إلى جوار الرئيس جورج دبليو بوش، تحت أضواء التلفزيون الباهرة، وأجهزة التصوير ترصد كل حركاته، كان ذلك في يوم 20 شتنبر من سنة 2001، بعد تسعة أيام من هجوم بعض المتطرفين المسلمين على مركز التجارة العالمي والبنتاغون. وكان الرئيس قد اختار الشيخ حمزة ليكون رجل الدين المسلم الذي تلتقط صوره في البيت الأبيض ليظهر للعالم أن أمريكا ليست في حرب مع الإسلام.واللحظة نفسها التي كان فيها الشيخ حمزة يتجاذب أطراف الحديث مع الرئيس الأمريكي، كان مكتب التحقيقات الفيدرالية يطرق باب منزله في كاليفورنيا ويحذر زوجته، أم يحيى، بأنه قد يصبح، هو وغيره من مشاهير المسلمين، هدفا لهجمات انتقامية من أمريكيين يريدون تسوية الحساب.وقد صعق عملاء المكتب عندما أخبرتهم أم يحيى أن الشيخ حمزة موجود في ذلك الوقت في البيت الابيض. وبينما كانت آلات التصوير تلتقط له صورا، كان يشعر بالقلق من نوع آخر من ردود الفعل، ليس من الاتجاه العام السائد لدى الأمريكيين العاديين، ولكن من مجتمعه الإسلامي. فقد كان بعض أعضاء المجتمع الإسلامي غاضبين من أنه قبل الدعوة للذهاب إلى واشنطن. فقد كان من الواضح للمسلمين أن نوايا بوش لم تكن صادقة تماما، وكانوا يتعجبون من مساعدة الشيخ حمزة للبيت الأبيض في حملة دعاية مصممة خصيصا لإظهار التسامح الأمريكي مع المسلمين. إعداد: أمينة كندي