ليوطي يصحّح مفهوم "السلطان" لدى الغربيين نقلنا المؤرخ المغربي، الدكتور عبد الهادي التازي، في كتاب دونه على هامش موسوعته الشهيرة حول التاريخ الديبلوماسي للمغرب، إلى خبايا الخطاب بالإشارة في المراسلات المغربية التي لا تخلو من طرائف ومستملحات، وتجسد صلة الوصل بتراث يستعمله المغاربة في كافة مناحي حياتهم اليومية، ملتزمين بالمثل الذي وضعه أسلافهم منذ مئات السنين، والقائل "الحر بالغمزة والعبد بالدبزة"، وهو مثل "وقفت شخصيا على أنه لا يخص فقط المعاملات اليومية للأفراد، بين أفراد الأسرة الواحدة، والأصحاب، ولا المراسلات الأدبية الغنية بأمثلة الكلام المرموز، بل يشمل المجال السياسي، الذي يعد مرتعا خصبا للخطابات المشفرة". وترافق "الصباح"، على مدار حلقات، المؤرخ المغربي في عدد من المحطات التي حل بها في كتابه المعنون ب "الرموز السرية في المراسلات المغربية عبر التاريخ"، وتعرض خلالها إلى عدد من المراسلات المشفرة التي بعثها سلاطين وملوك المغرب إلى حلفائهم في جهات ودول مختلفة. "تعطينا "الوثيقة المغربية" مفاتيح خطاباتها السرية، لكنها تقدم لنا دليلا آخر على الظاهرة الصحية للمملكة، تفند كل الادعاءات التي ترمينا بالعجز والخرف واليأس"، يشرح المؤرخ المغربي.ويتعلق الأمر بلقب أمير الأسطول الذي كنا نراه أيضا في بداية هذا القرن، رغم التآمر الدولي في مؤتمر ايكس لاشابيل، 30 شتنبر 1818، بالإضافة إلى ذكر المركب الملكي الذي ظل إلى هذا الوقت يمخر عباب المياه الإقليمية ويسهم في استرجاع بعض المراكز التي سطت عليها بعض الشركات الأجنبية، من غير أن تهمل الوثيقة تخصيص الجواسيس والخونة بشكل من أشكال الحروف اللاتينية، هو حرف (t)، وكأنه يشير إلى (traitre)، وقد اختير هذا الكل ليقابل حرف العين الذي ربما كان يقصد به (عين) بمعنى جاسوس.وتحدث الوثيقة أيضا (البوسطة) والتلغراف، وأيضا السكة الحديدية التي شعر المغرب بأهميتها في طليعة القرن العشرين. وفيها تمت الإشارة إلى السلك الدبلوماسي المعتمد لدينا، كل برتبته: المبعوثين الدبلوماسيين والسفراء العابرين والقناصل المعتمدين والنواب المساعدين، فضلا عن الدور الكبير الذي تمثله بعض الشركات العالمية، "وكل هذا يترجم مدى تفتح المغرب لقبول ما تجدد من أحداث على الساحة العالمية"، يؤكد التازي، عكس ما حاول الأروبيون إثباته عن صورة مغرب انتهى في العقد الأول من القرن العشرين، وأن تعثراته لم تكن وليدة تواطؤ المجموعة الدولية كلها على كيانه، ولكنها وليدة أجهزته المركزية والإدارية، ووليدة تقوقعه وانطوائه، ف"جاءت هذه الوثيقة لتقدم المغرب كأتم ما يمكن أن تكون عليه الدولة، قوة وتنظيما ومواكبة وتحضرا". ولابد أن الماريشال ليوطي كان صادقا مع نفسه، عندما كتب من الرباط بتاريخ 24 أكتوبر 1920، يقول لجورج ليكيس، رئيس المجلس الوزاري بفرنسا آنذاك:"لقد لاحظت أثناء زياتي الأخيرة إلى فرنسا مدى الجهل المطبق الذي يهيمن على بعض الجهات المأذونة حيال ما تؤديه هنا في المغرب كلمة "سلطان"، حيث لاحظت أن تلك الجهات تصنفه على أنه نحو "باي" تونس أو "سلطان" مصر أو "شريف" مكة، مع أنه لا صلة إطلاقا بين هؤلاء وبين مركز السلطان بديار المغرب.إن السلطان هنا هو الإمام الذي توّجه شعبه، وعاهل سياسي وقبل كل شيء رئيس ديني لسائر المسلمين في المغرب، بل وفي الأجزاء النائية الأخرى كما أدركته بنفسي أيام الحرب، وفي بعض الأجزاء الأخرى من جنوب الجزائر التي تنظر إلى ملك المغرب على أنه الملك الشرعي للإسلام على وجه الأرض، بينما يعتقدون أن باي تونس وخديوي مصر ليسا إلا موظفين يعملان لمصالح الأتراك، بينما نجد أن وظيفة شريف مكة تقتصر على توزيع الصدقات التي تفد إليه من سائر الجهات، على ضعاف الأماكن المقدسة".وفي رسالة تاريخ 18 نونبر 1920، موجهة من ليوطي إلى سائر مساعديه ومختلف رؤساء المصالح، يقول:"نحن هنا في المغرب وجدنا في الحقيقة دولة وشعبا معا، مرا فعلا بأزمات ولكن هذه الأزمات إنما كانت حديثة العهد، وهي أزمات حكومية أكثر منها أزمات اجتماعية، ويكفي أن نرجع قليلا إلى التاريخ لنشهد حكومة حقيقية تظهر أمام العالم كأي دولة من دول الأسرة الدولية، بما كانت تتوفر عليه من وزراء لامعين وسفراء ناجحين كانوا يجلسون إلى جانب الدول الأوربية، فيؤدون واجبهم كأتم ما يكون الأداء، وبعض هاته الشخصيات ما يزال إلى الآن ينعم بالحياة". إنجاز: هجر المغلي