هيكلة تنظيمية تستقطب الجميع تهدف هذه الحلقات إلى استعراض تاريخ تأسيس «حزب الله» وتطوره منذ العام 1982 وحتى العام 2011، وكيفية تطور رؤيته الفكرية والثقافية وهيكلته التنظيمية وصولاً إلى اليوم، إذ أصبح لاعبا أساسيا في حلبة الصراع العربي الإسرائيلي وفي النظام اللبناني، بعد أن كان تنظيما سريا يحصر عمله في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وينأى بنفسه كليا عن لعبة السلطة. هذه الحلقات التي تعتمد على دراسة نشرتها جريدة “السفير” اللبنانية، تروم التعرف على السياق التاريخي لتطور بنية حزبية لبنانية صارت موضع استهداف دولي. ان مخاطر الحزبية تكمن في انحصار العدد في المنتمين إلى الحزب ورفض ما عداهم، ومهما بلغت الهيكلة التنظيمية من السعة فإنها تستوعب مواقع ومهاما محددة، ما يعني خسارة بعض الطاقات، كما ينذر التقيد الحزبي بنشوء عصبية لا تتفاعل مع الناس غير المنتمين. أما فكرة الأمة واستيعاب الجميع، ولو تفاوت انتماؤهم والتزامهم واستعدادهم للعمل، فلا تخلو من مشاكل في تطبيقها. وهي مبنية على قاعدة وجود القيادة الموجهة التي تصدر تعليماتها إلى علماء المساجد والأحياء ولجانها، فتكون التوجيهات عامة وفي المحطات الهامة، ثم تتحرك الأمة بكل فئاتها لتلبيتها. وهذا لا يجيب عن كيفية استقطاب كل طاقات الأمة وتنظيم أدوارها في خصوصية الواقع اللبناني المتنوع، كما يجيب عن كيفية معالجة التفاوت في الآراء، وفي مستوى الالتزام بين الأفراد واختلاف المستويات الفكرية والعملية وآلية الاختيار والارتباط بين الفئات المختلفة. حُسم الخيار في حزب الله باعتماد الشكل التنظيمي الهرمي كصيغة حزبية ضمن ضوابط تتجاوز سلبيات الطرحين:أ - ينتسب إلى الحزب في المواقع المختلفة ضمن هيكلته المباشرة، من وافق على أهداف الحزب كاملة، وعلى الالتزام بقراراته التنظيمية، وإعطاء الوقت المطلوب لتأدية مهامه، وامتلك صفات عامة شخصية إيمانية وجهادية وسلوكية تؤهله للدخول في التنظيم لينمو داخله ويقوم بواجباته.ب - لا توزع بطاقة حزبية على المنتسبين لأنهم لا يكونون وحدهم ممن يعملون في تحقيق أهداف الحزب، وكي لا يرتبط تعريف الانتماء بالبطاقة الحزبية. ت - مراعاة المهام الحزبية المطلوبة وعلى رأسها العمل المقاوم، وتوفير الهيكلة الملائمة التي تلحظ شرح الوظائف وحدود المسؤوليات والصلاحيات للقيام بالمهام بفاعلية، وتسهل التنسيق بين وحدات الحزب.ث - إنشاء التعبئة العامة التي تضم الراغبين في الانتماء إلى الحزب من مختلف الأحياء والقرى، ويكون التوزيع الهرمي في إدارة شؤونهم مرتبطاً بالتوزيع السكاني والجغرافي للأحياء والقرى، وتكون مساهمتهم بحدود ظروفهم وأوقاتهم، ويشاركون في دورات عسكرية وثقافية، كما يشاركون في “المرابطة” والقتال، وفي الأعمال العامة التي يدعو إليها الحزب.ج - إنشاء الهيآت النسائية التي تهتم بالقطاع النسائي وأنشطته المتنوعة، والتي تتوزع على المساجد والأحياء، وهي تهتم بالعمل الثقافي والاجتماعي التعبوي، وتشارك في الأعمال العامة التي يدعو إليها الحزب. ح - إنشاء كشافة الإمام المهدي التي تهتم بالناشئة، وتعمل على تربيتهم وتوجيههم، كما تقوم بنشاطات تنسجم مع أعمارهم ومتطلباتهم، إضافة إلى المشاركة في أنشطة الحزب العامة.خ - إنشاء مؤسسات ذات مجالس إدارة مستقلة في المجالات التربوية والثقافية والصحية والإعلامية والزراعية والعمرانية وغيرها، بحيث تلتزم بالأهداف العامة وتتحرك بهامش خاص في اختيار الأفراد، شرط مراعاة الحد الأدنى في التوجه الثقافي السياسي وعدم الاختراق الأمني. د - اعتماد التعبئة التربوية التي تشمل مساحة اهتمامها الطلاب والأساتذة في التكميليات والثانويات والجامعات، ولها أنشطتها المرتبطة بالقطاع التربوي، وتضم في صفوفها كل الراغبين في العمل معها وفق السياسات المرسومة والأهداف المعلنة.ذ - المساهمة في إقامة التجمعات والهيآت المختلفة سواءً كانت مهنية أم نقابية أم تخصصية، مع ترك هامش أوسع لمواصفات الفرد المنتسب إليها، بحيث لا تنطبق عليه شروط الانتساب المباشر لهيكلية الحزب، شرط مراعاة الحد الأدنى من الالتزام بالسياسات العامة والأهداف الإجمالية للحزب. وتكون نشاطات هذه التجمعات وبرامج عملها محددة في دائرة اهتمامها المهني أو التخصصي. ر - التعاون مع العلماء والجمعيات والمؤسسات التي تحمل استقلالية خاصة في إنشائها وأنظمتها الداخلية، لكنها تنسجم في الإطار العام مع أهداف “حزب الله”.ز - اعتبار المشاركين والمساهمين في احتفالات حزب الله ونشاطاته واهتماماته وكذلك المؤيدين لأفكاره من أنصار حزب الله. لقد استوعبت هذه الطريقة التنظيمية شرائح المؤمنين بأهداف الحزب، وراعت التفاوت غير المضر بخصوصية كل شريحة، فتجنبت الوقوع في إشكالية الانغلاق على الذات وحجب الآخرين. مع ذلك تبين أن هناك حاجة للبحث عن كل ما يوسع دائرة الاستفادة من المحبين والمؤيدين، ويوسع دائرة الاستيعاب والاستقطاب الشعبي واستثمار الطاقات. على هذا الأساس لم تعد المشكلة في التسمية فهي لا تغير الواقع الفعلي، فاستقر الرأي على اسم “حزب الله” الذي يحاول استيعاب شرائح الأمة مع وجود الاستعداد الدائم للتعديلات التنظيمية الداخلية التي تواكب المستجدات، وتحاكي متطلبات الحزب مع توسع مهامه ومكانته. إعداد: جمال الخنوسي