شروط التوفر على أهلية الإفتاء حدد الفقهاء والعلماء السابقون أو المعاصرون مجموعة من المواصفات والمؤهلات التي يتعين أن تتوفر في المفتي، التي إذا لم تتوفر في الشخص، فإنه لا يكون مؤهلا للإفتاء، ولا يجب أن تصدر الفتوى عنه، كما أن الدولة مطالبة بمراقبة مجال الفتوى والتحقق من مدى توفر الشروط والمواصفات في الشخص الذي تصدر عنه، تحت طائلة اتخاذ عقوبات ضده، مادام أن مجالها لا يقل أهمية وخطورة عن المجالات الأخرى المنظمة بالقانون والتي تهم الحياة المجتمعية، خاصة أن الفتوى أصبحت تلج إلى كل البيوت سواء عبر الفضائيات أو الإنترنيت أو من خلال الأقراص المدمجة أو مختلف وسائل الاتصالات الأخرى.وخلال السنوات العشر الأخيرة ركزت الجهود من أجل إصلاح المجال الديني، الذي أصبح يعاني اختلالات كبرى، ما أدى إلى بروز توجهات متطرفة شيوخ تكفيريين يصدرون فتاوى غريبة لاقت استهجان الجميع دون أن تكون لهم المؤهلات العلمية لذلك، ودون التقيد بالضوابط الفقهية التي حددها العلماء. من خلال هذه السلسلة نستعرض عددا من الشروط التي يتعين توفرها في المفتي والضوابط الفقهية التي يتعين التقيد بها. أجمع العلماء ومجمعات البحوث الإسلامية أن الإفتاء ينحصر في الأشخاص الذين يتوفر فيهم عدد من الشروط، التي بدونها تصبح الفتوى باطلة. ومن أهم هذه الشروط، أن يكون المفتي مسلما وعاقلا وبالغا، إضافة إلى العدالة والورع، والديانة والصيانة، والثقة والأمانة، وفقه النفس وسلامة الذهن ورصانة الفكر، وصحة التصرف والاستنباط، والتيقظ، والسلامة من الفسق ومميزات المروءة، وأن يكون محيطاً بمدارك الشرع (الكتاب والسنة والإجماع والقياس وغير ذلك من المدارك)، مقدماً ما يجب تقديمه ومؤخراً ما يجب تأخيره. وأقل شيء أن يعلم من الكتاب آيات الأحكام وهي خمسمائة آية فيعرف تفسيرها ومواضعها ولا يشترط حفظها، ولكن إن كان يقدر على حفظها فهو أحسن وأكمل، وأن يعلم من السنة أحاديث الأحكام، وهي وإن كانت زائدة على ألوف، فهي محصورة ولا يلزمه حفظها، بل يكفي أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام. ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة إلى الفتوى، وإن كان يقدر على حفظها أيضاً فهو أكمل وأحسن، كما لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأحاديث بالمواعظ وأحكام الآخرة وغيرها، وينبغي أن تتميز عنده مواقع الإجماع حتى لا يفتي بخلاف الإجماع. ولا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف بل كل مسألة يفتي فيها ينبغي أن يعلم أنها ليست مخالفة للإجماع .ويتعين أن يكون ملما بالناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة في آيات وأحاديث الأحكام، ولا يشترط أن يكون حافظا لكل ذلك، بل كل واقعة يفتي فيها بآية أو حديث ينبغي أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية ليس من جملة المنسوخ .كما يجب عليه معرفة صحيح السنة من ضعيفها فيما يفتي فيه معتمدا على السنة، ويجوز الاعتماد على كتب الأئمة الثقاة في هذا الباب. ويجب أن يكون عالماً بالفقه ضابطا لمسائله وتفاريعه، وأن تكون له معرفة بأصوله وقواعده،إضافة إلى معرفته الدقيقة باللغة والنحو على وجه يتيسر له به فهم خطاب العرب الوارد في الكتاب والسنة إلى حد يميز به بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه، وأن يكون على معرفة بالناس وأحوالهم، وأخيرا أن يتصف بالإنصاف .وتعتبر هذه الشروط هي الأخف، التي حددها العلماء، والتي بدونها لا يصلح الإفتاء، بل هناك من العلماء من يرى أن حتى المتصف بهذه الصفات لا يصلح للإفتاء حتى يحيط بالقرآن والسنة وعلومهما إحاطة أشمل وأعم وأوسع من ذلك. وإذا ما قيمنا عمل عدد من الذين يطلون علينا من الفضائيات أو من منابر المساجد أو عبر مختلف الوسائل لا تتوفر في أغلبهم هذه الشروط، بل هناك من لم يسبق له أن تلقى تكوينا في جامعات و كليات ومعاهد العلوم الفقهية والشرعية، بل أن تكوينه لا يمت بصلة إلى العلوم الشرعية، لكنه بعد أن باشر المجال الدعوي، الذي لا يتطلب مؤهلات خاصة، أصبح من المشاهير في مجال الإفتاء، ويصدر فتاوى عديدة في حلقة من الحلقات التي تبث على الفضائيات، علما أن فتوى واحدة تتطلب وقتا طويلا، إذا ما تم الالتزام بشروط وضوابط الإفتاء. عبد الواحد كنفاوي