الملحون اهتم بالقضايا الوطنية والأممية أبدع “شيوخ الكلام”، قصائد ملحونية رائعة بمعان مختلفة زخرفوها بشكل ميزها عن كل ألوان الشعر في عاميته وفصاحته، وتلاوين الغناء في إيقاعاته. وتستحق قصص تجاربهم، إبحارا وبحثا قد لا تكفي محدودية حلقاته، في محاولة نفتح أعين القارئ فيها، على حقائق مذهلة نترك إليه، اكتشافها. يحكي الفنان محمد السوسي، عن قصة الشاعر محمد بن أحمد المدغري صاحب قصيدة “الدمليج”، و”متعلمه” الذي كلفه بالتوجه إلى فندق في باب السنسلة بالمدينة العتيقة، حيث تصنع “الشطاطب” و”المعلم ديالهم هو ابن أخت الحاج أحمد الغرابلي شيخ الملحون”، لجلب شطابة.“الشطابة” وسيلة مستعملة حينها في تنظيف المحلات والمنازل والأمكنة. وهي عبارة عن عمود خشب في رأسه كمية من الدوم، مربوطة بالدوم عند ملتقاهما. وبحكم صغر “المتعلم”، فإنه كان يلعب بها، في طريق عودته إلى محل مشغله، ما أدى إلى ضياع ذاك الدون الرابط أو “دمليج الشطابة”. ذاك هو سبب نظمه قصيدة “الدمليج” وفق طريقة خاصة للبسط والسخرية، حكى فيها حومات المدينة القديمة بطريقة جميلة عبارة عن بوصلة لسائح لا يعرف فك لغز دروبها، موشحا إياه بأبيات جميلة حول إخلاص المعشوق للعشيقة، في قصة خاصة لاختبار درجة الإخلاص والحب والتضحية.ويحكي السوسي عن هذا الشاعر، عبقريته في نظم الكلمات بطريقة خاصة، رغم أنه لا يجيد الكتابة والقراءة وسبق له أن كان أمينا للدلالة في سوق الحايك، إذ اكتشف “زواقات” و”رشيمات” من الألف إلى الياء، كان يكتب بواسطتها أشعاره، مذكرا بسر تسميته “العيساوي الفلوس”. “أهل فاس كيهدرو بحلاوة الكلام” يقول السوسي، وذات مرة كان هذا الشاعر وهو بدين، وافدا عليهم وقد لاح من بعيد، فقال أحدهم “ها هو داك الفلوس جاي” دليل استصغار لحجمه عوض السخرية منه، فأطلق عليه “الفلوس” منذ ذلك الحين. وأشار إلى أن “البسط” بين أهل الملحون، كان حاضرا بقوة.وأبرز أن العديد منهم نظموا قصائد حول علاقاتهم ومناحي عديدة في الحياة، بما في ذلك التقليل من قيمة الفقير وإعلاء شأن الغني، الذي كان موضوع عشرات القصائد من مختلف الأجيال، شأنه شأن اهتمامها بالعلاقات الاجتماعية، ونظمهم قصائد حول الكريم والبخيل والابن العاق. وفي هذا المجال، اقتبس بعض شعراء الملحون، من كلام عبد الرحمان المجدوب، خاصة كلامه عن “شفتيني يا المسكين”، التي يقول فيها “شفتيني يا المسكين وشفاني حالك. الزين ما تاخذوا بالدين، ما يتعطى ليك”، للبرهنة على قيمة المال في حياة الإنسان، وتفضيله على باقي الخصال.“المقلوب يساعف القدر بعد لا يهجر”.. ذاك مقطع من قصيدة نظمها الشيخ محمد بن علي، في حال المغلوب على أمره، الذي يصدق عليه القول “أنا عطال كل ما دارو بين نقبلو”، حسب قول السوسي المورد لقصة المجذوب حين لم يحسن أهل الحفل، إلا للباسه بعد أن غيره. ولعل من أهم القصائد التي اهتمت بتغليب المال على الكرامة، تلك المعنونة “الدينار” للشيخ قدور العلمي، التي تقول في حربتها “ناقص البضاعة تالف، واخا يكونوا حبابو، عاد نقاط الامزان (الشتاء)”، فيما خاطب بشكل واضح الأثرياء وأصحاب “الدينار” في قصيدة “التائية”. تلك القصيدة يقول فيها “مول الدينار تخضع ليه الهمات، ينافقو لو صحتو ومالو وكسوتو.. سياتو عن اهل الخديعة، حسنات. وقليل المال كيبغضوه بلا سيات، سوا عيشو عندهم، سوا موتو. يلا يسكت كبر دوه ختال وبهات، ولا يهدر كيتصعدوا لو بصوتو. وحرام على الفقير تندار لو شهوتو”. وأكثر من ذلك يقول قدور العلمي في قصيدة “القلب”، “خممت في الذهب والفضة، هما الاحباب، والكنز والدخيرة، صحة البدان والوقر والعز والأمان والاعتزال على الرفقة لأهل البهتان”، فيما يشير محمد السوسي، إلى أن شعراء الملحون المغاربة، اهتموا أيضا بقضايا الوطن والأمة العربية. وحجته لإثبات أن شاعر الملحون مواكب لعصره ويؤخر في قصيدته للزمان والمكان، نظم محمد بن علي العمران، قصيدة “المصرية” التي شجع فيها المغاربة على مساعدة إخوانهم المصريين في مكافحة المستعمر، شأنه شأن قصيدة “ادخل وجدة” التي تحدثت عن كيفية دخول المستعمر للمغرب. وذكر قصيدة تتكلم عن الجفرية، نظمها بنقاسم البوراشدي دفاعا عن فلسطين، وقال فيها “قوى المنكر تبان الكنوز وقلة الأمطار وقواو الهوشات والفشر وتغلا الأسعار، والخمس أوقات تعود خاسرة. كنس الكفارين الكرمة وحجر النكور، ويخرجوا لسلامن القصر كيفديو الثار، تضحي ملة الإسلام نايرة”. حميد الأبيض (فاس)