الجرذان تنتفض على الجدران تقول الحكاية العربية، إن قوما كانت لهم عنزة تسمى «براقش»، وفي يوم أرادوا أن يذبحوها فلم يجدوا سكينا، فأخذت العنزة تفحص بحافريها في الأرض، حتى عثر القوم على السكين مدفونة، بعد أن أزاحت العنزة عنها التراب، فأخذوها وذبحوها فورا... فقيل «على نفسها جنت براقش». هذه الحكاية تصلح لتوصيف ما يجري في المنطقة العربية اليوم، فالشعوب التي ذاقت العذاب واصطبرت عليه، انتظرت إلى أن تجني الأنظمة على نفسها، بكثرة الفساد وحكم الأزواج والأولاد، والسعي إلى توريثهم، قبل أن تنتفض مطالبة بإسقاط النظام، في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن... الجمهوريات العربية، التي يفترض أنها تستند إلى شرعية صناديق الاقتراع، وإن بنسب الديكتاتوريات 99.99 في المائة، سرعان ما أشهرت أسلحتها في وجه شعوبها وحولت فوهات المدافع لتكميم أفواهها، وفي هذه اللحظة، بالذات، سقط النظام.. الثوار الليبيون، أو الجرذان كما يصفهم القذافي، أحدثوا مفاجأة كبيرة وهم يتقدمون على الأرض في حربهم ضد القذافي، وينتزعون اعترافات دولية بهم كممثلين للشعب الليبي. تغير معطيات الواقع فرض على القذافي مراجعة حساباته، والتوقف عن نعت الثوار بأبشع الأوصاف، والاكتفاء بالاحتماء وراء باب العزيزية في العاصمة طرابلس، وإرسال الخطابات الصوتية دون أن يطل بوجهه على الثوار.ساهمت الجدران في تأجيج الانتفاضة المطالبة بإسقاط نظام القذافي، فقد شارك هذا النوع من القتال في تراجع القذافي، حين تحولت أسوار الكتائب الأمنية ومقرات الأمن الداخلي ومكاتب اللجان الثورية إلى وسائل إعلام تبلغ رسائل المتمردين على القذافي إلى الشعب الليبي، كما أنها وسائل النشر المفضلة للتبليغ ضد النظام وتأجيج الاحتجاج والمطالبة رحيل القذافي، كما تحولت الرسائل المكتوبة على الجدران والشعارات السياسية التي ترفعها ضد النظام، إلى مصدر تحفيز لباقي المدن الليبية من أجل الاحتجاج والانضمام إلى الثورة التي اتسعت رقعتها لتصل إلى حدود العاصمة. داخل منطقة سوق الجمعة في ضواحي العاصمة طرابلس، تحكي الكثير من التقارير الإعلامية كيف أن شعارات سياسية كتبت على الجدران ضد القذافي عبارات تطالب بإسقاطه، وتنفي عن الشعب الليبي صفة الجرذان، وهي الشعارات التي سارعت قوات الأمن الليبية إلى محوها بطلاء بقي شاهدا على ما كتب على الأسوار.في شارع فلسطين بطبرق، تنقل التقارير الإعلامية التي واكبت الثورة ضد القذافي، أنه كتب على حائط مزرعة قريبة من ميدان الشهداء شعارات من قبيل «يسقط القذافي و 42 عاما من الاحتلال وعاشت ليبيا حرة ولا للقذافي والموت لسيف الإجرام، وذلك ردا على مجازر كانت ترتكبها قوات القذافي في بلدة بنغازي، على يد قوات الأمن ومجموعة من المرتزقة، جلبهم القذافي، بينهم جزائريون وعناصر من جبهة بوليساريو يقاتلون الشعب الليبي إلى جانب النظام، هذه الشعارات زادت في تحميس وتأجيج الثورة خاصة بعد قتل المتظاهرين في بنغازي، فيما تطورت الكتابة على الجدران ضد القذافي، في مرحلة ثانية، إلى شعارات دعم صمود جبهات القتال في مصراتة والزاوية والزنتان وبنغازي.من مفارقات الثورة في ليبيا، أنها هشاشة الحكم «لأنه لم يكن يحظى بأي شرعية»، يقول مدير أبحاث في الشؤون الجيوسياسية مدرسة «أوروميد مانجمنت»، مرسيليا، بفرنسا. وحسب تقرير أعده الباحث يحيى زبير. «فقد كان يعتمد على الخوف، والقمع الصرف، وشراء الولاءات من خلال إعادة توزيع قدرات النظام، وإعادة توزيع الموارد بفضل الثورة الهائلة التي تمتلكها البلاد من مصادر الطاقة. غير أن هذه الثروة لم يستفد منها المجتمع بشكل كبير بسبب الفساد الحكومي المستفحل الذي عزز من اللجان الثورية والجيش والميليشيات وغيرها من الدوائر التي تؤيد النظام... إلا أن النظام الاستبدادي في ليبيا يبقى أكثر وحشية ولم يكلف نفسه حتى عناء تنفيذ التغييرات الترقيعية والإصلاحات التي بادرت إلى وضعها الأنظمة الاستبدادية الأخرى».يقول مدير أبحاث الشؤون الجيوسياسية، «ليس للمواطنين الليبيين سلطة في تسيير بلادهم.. فقد عمد القذافي منذ السبعينات إلى اغتيال المنشقين داخل وخارج البلاد، حيث تعرض المئات (إن لم يكونوا بالآلاف) للاختطاف والتعذيب أو الاعتقال التعسفي. كما تعرض المنشقون، أمثال فتحي الجهمي (توفي سنة 2009) وغيره، للسجن لسنوات طويلة في ظروف قاسية جداً. ولا يوجد في ليبيا نظام قضائي مستقل، وهو ما يعني أن السجناء السياسيين لا يستطيعون الحصول على محاكمة عادلة. أما انتهاكات حقوق الإنسان فتمارَس بشكل شبه روتيني ولا يخشى مرتكبوها أي نوع من العقاب...ولا توجد كذلك أية حرية للتعبير، بينما يبقى الولوج إلى خدمات الإنترنت مقيداً. ولم يسمح النظام يوماً بتشكيل الجمعيات، فيما عدا تلك التي تكون مقربة من الحكومة. كما أن جميع أشكال المعارضة والحقوق المدنية محظورة». إعداد: إحسان الحافظي