المحامون يديرون ظهورهم لقضيته لو كان محمد لحيان، المزداد سنة 1943 ببلقصيري، اطلع على ما كان يخبئه له القدر لما قرر التقدم إلى المباراة التي نظمتها وزارة الداخلية سنة 1962، من أجل توظيف مترجمين. كان الرجل يعتقد أنه بعد حصوله على شهادة الباكلوريا، وبولوجه الوزارة آنذاك ستفتح أمامه مجموعة من الأبواب وسيستطيع أن يؤمن مستقبله، وأن يصبح من الأطر التي كانت الإدارة المغربية آنذاك تشكو من خصاص حاد فيها، إذ كان المغرب في إطار مغربة الإدارة، بعد ست سنوات من الاستقلال، يعمل جاهدا من أجل توظيف أطر مغربية لتعويض الأطر الفرنسية، خاصة أن الأمر يتعلق بوزارة كانت وما تزال تعتبر من وزارات السيادة، وبالفعل استطاع محمد لحيان أن يتفوق في المباراة وأن يعين في أسلاك الوزارة باعتباره مترجما، واستمر في تحسين مؤهلاته من أجل تحسين وضعيته الإدارية، وبالفعل ولج كلية الحقوق واستطاع أن يحرز على الإجازة في الحقوق، ونجح في التدرج في أسلاك الوزارة، إذ عين خليفة في 1975 وقائدا خلال 1980، المنصب الذي كان بمثابة لعنة نزلت به، إذ في السنة نفسها ستدبر له مؤامرة، حسب روايته، ليتقرر عزله من مهامه دون أي قرار كتابي لتشرد أسرته ويصبح وحيدا يعيش على معونات المتعاطفين معه. قررت زوجة محد لحيان، بعد ما ألم بالعائلة، الهجرة إلى إسبانيا، علما أن هذا البلد لم يكن قد فرض التأشيرة بعد، فلجأت إلى هذا البلد خوفا على أبنائها، وظل وحيدا بالمغرب مع والدته التي شلت، وكان لزاما عليه أن يكافح من أجل مواجهة تكاليف الحياة. ما دفعه إلى اللجوء إلى القضاء من أجل استرداد حقوقه، بعد أن كل من توجيه الرسائل إلى الجهات المركزية، إذ وجه الرسائل تلو الأخرى، بما فيها رسالة إلى وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، لكن من دون أن يتلقى ردا. فقرر مقاضاة وزارة الداخلية بتهمة الطرد التعسفي، ما دام لا يوجد أي قرار كتابي بعزله كما لم تحترم المساطر القانونية التأديبية المعمول بها في نظام الوظيفة العمومية. لكن، يحكي لحيان، مفاجأته كانت كبيرة عندما اعتذر جل المحامين الذين لجأ إليهم من أجل الدفاع عنه، وذلك تجنبا لمواجهة الرجل القوي في الدولة آنذاك، إدريس البصري. وظل يتردد على مكاتب المحاماة حتى وجد من ينوب عنه في طرح قضيته أمام المحاكم ويتعلق الأمر بالمحامي شواد حدو، لكن تشاء الأقدار أن يتوفى الرجل الذي زرع فيه الأمل 15 يوما بعد اللقاء الأول، إذ طلب منه إحضار الوثائق المطلوبة، وعندما كان لحيان يحضر ما طلب منه تلقى خبرا مثل الصاعقة ويتعلق الأمر بوفاة المحامي الذي قبل تبني هذه القضية. وأحس لحيان أن ملفه أيضا لن تقوم له قائمة وأنه أقبر في مهده، وتبددت معه آماله في استرداد حقه عبر القضاء. لكن لم يفقد الرجل كل آماله وفضل اللجوء إلى مؤسسات أخرى أملا في استرجاع حقوقه، فراسل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان يستعرض قضيته ويطالب بالتعويض المادي والمعنوي عن ما لحق به من أضرار، فكان جواب المجلس أن هذه القضية لا تدخل في اختصاصات المؤسسة. وراسل ديوان المظالم، فطلب منه في رسالة جوابية أن يدلي بوثائق تثبت ما يفيد أنه من موظفي وزارة الداخلية وبقرار الطرد. ويؤكد لحيان أنه عندما اقتحم منزله الوظيفي من طرف رئيس الدائرة والقوات المساعدة أتلفوا كل محتوياته بما في ذلك وثائقه الخاصة، كما أنه لم يتوصل بأي قرار بتوقيفه أو طرده، ما يجعل من الصعب الاستجابة إلى مطالب ديوان المظالم.ما يزال محمد لحيان إلى الآن ينتظر إنصافه وتعويضه عن أكثر من 20 سنة قضاها في أسلاك الوظيفة العمومية، وهو الآن يشرف على السبعين، وأصبح وحيدا يعيش من تعاطف المحسنين وحسناتهم، إذ يقطن بغرفة جعلها أحد المحسنين تحت تصرفه، كما أن عددا من سكان المدينة يمنحونه بعض الدريهمات من أجل مواجهة المصاريف اليومية، وأكد لحيان أنه يمر يومين، في بعض الأحيان، دون أن يأكل شيئا، لأن أنفته تمنعه من التسول، وكل ما يطلبه حاليا هو أن يفتح تحقيق نزيه وجدي لمعرفة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء طرده وأن ينصف ويعيش ما بقي له من عمر بكرامة. عبد الواحد كنفاوي