انسحاب سوريا من لبنان تهدف هذه الحلقات إلى استعراض تاريخ تأسيس «حزب الله» وتطوره منذ العام 1982 وحتى العام 2011، وكيفية تطور رؤيته الفكرية والثقافية وهيكلته التنظيمية وصولاً إلى اليوم، إذ أصبح لاعبا أساسيا في حلبة الصراع العربي الإسرائيلي وفي النظام اللبناني، بعد أن كان تنظيما سريا يحصر عمله في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وينأى بنفسه كليا عن لعبة السلطة. هذه الحلقات التي تعتمد على دراسة نشرتها جريدة “السفير” اللبنانية، تروم التعرف على السياق التاريخي لتطور بنية حزبية لبنانية صارت موضع استهداف دولي. أدت خطوة الانسحاب العسكري والأمني السوري من لبنان بعد اغتيال الحريري إلى تغيير رؤية وإستراتيجية “حزب الله”، فبعد أن كان الحزب يحرص على إعطاء الأولوية للمقاومة، فإن الانسحاب السوري دفعه للاندفاع نحو الداخل والمشاركة للمرة الأولى في الحكومة اللبنانية التي تشكلت برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي بعد استقالة الرئيس عمر كرامي وتمثل الحزب بالوزير الدكتور طراد حماده.وكانت مهمة هذه الحكومة التحضير للانتخابات النيابية، إذ عُقد ما يسمى “التحالف الرباعي” بين “حزب الله” وحركة “أمل” وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، وتم خوض الانتخابات على هذا الأساس في مواجهة التيار العوني. وشارك حزب الله في الحكومة الجديدة برئاسة فؤاد السنيورة في صيف 2005 عبر وزير حزبي هو محمد فنيش، إضافة إلى الوزير طراد حماده. لكن بدأت تبرز الخلافات بين الحزب وحركة أمل من جهة، وتيار المستقبل وحلفائه من جهة أخرى حول قضية المحكمة الدولية وبعض القضايا الداخلية، مما أدى إلى التوقف عن المشاركة في جلسات الحكومة، ثم حصل الحوار الوطني الداخلي وعاد الوزراء الشيعة للمشاركة في حكومة السنيورة، لكن الخلافات السياسية بقيت قائمة إلى ان حصل عدوان يوليوز 2006 بعد قيام حزب الله بخطف عدد من الجنود الإسرائيليين خلف ما يسمى “الخط الأزرق”.وبدأت تبرز الخلافات مجددا بعد أن اتخذ حزب الله قرارا بالحصول على “الثلث الضامن” في الحكومة. وبدأت التحركات والاعتصامات وتصاعد الأجواء السياسية الداخلية والتي توجت بأحداث 7 ماي2008 و”اتفاق الدوحة”، وتشكيل حكومة جديدة أعطي فيها لحزب الله وحلفائه ثلث أعضاء الحكومة، وبذلك يصبح شريكا في القرار السياسي. أما الحدث المهم الآخر في مسيرة الحزب في هذه الفترة فكان اغتيال قائده العسكري والأمني الحاج عماد مغنية في دمشق في 12 فبراير 2008، واتهم الحزب الموساد الإسرائيلي باغتياله واعدا بالرد لاحقا. وكان حزب الله وحلفاؤه يعولون على الانتخابات النيابية في 2009 للحصول على الأغلبية النيابية وتشكيل حكومة جديدة، لكن نتائج الانتخابات جاءت مفاجئة للتوقعات وحصلت قوى 14 مارس على 71 مقعدا نيابيا وتم تكليف زعيم تيار المستقبل سعد الحريري بتشكيل الحكومة، فأراد تشكيل حكومة وحدة وطنية بشرط عدم إعطاء “الثلث الضامن” لحزب الله وحلفائه، لكن تم التوصل إلى حل عبر ما يسمى “الوزير الملك” وهو الوزير الدكتور عدنان السيد حسين الذي اعتبر من حصة رئيس الجمهورية لكنه اختير بموافقة حزب الله وحركة أمل. وكان المفروض أن تنجح هذه الحكومة في معالجة الأوضاع الداخلية لكن الخلافات برزت مجددا خصوصا حول المحكمة الدولية والقرار الظني وشهود الزور. وبدأت تبرز معطيات جديدة داخليا بعد تغير مواقف وليد جنبلاط واقترابه من سوريا وحزب الله وأمل.وكان التطور الأخطر استقالة وزراء أمل والتيار العوني وحزب الله والوزير عدنان السيد حسين من الحكومة في فبراير 2011 بالتزامن مع دخول سعد الحريري إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما، مما أدى إلى سقوط حكومة سعد الحريري وتكليف الرئيس ميقاتي بتشكيل حكومة جديدة أُعلن عنها في 20 يونيو 2011، وبذلك وصل الحزب إلى أقوى موقع سياسي وشعبي منذ تأسيسه في 1982. إعداد: جمال الخنوسي