جرائم عابرة للقارات أبطالها آباء وأمهات جعلوا من دماء فلذات أكبادهم وجبات يومية في المشهد الأخير من مسرحية "ريا وسكينة" (بطولة سهير البابلي وشادية وعبد المنعم مدبولي وأحمد بدير)، تصاب ريا (شادية) بما يشبه الجنون، حين تعلم أن الفتاة الجميلة التي استدرجتها إلى القتل، قصد الاستيلاء على حليها الذهبية، لم تكن سوى ابنتها الصغيرة التي تخلت عنها، مرغمة، قبل سنوات، تحت ضغط أسرة زوجها الميسورة، وتشاء الأيام أن تلتقيا، مجددا، على حد الخنق بقماش مـــــــــبلل.بكت "ريا" ولطمت خديها بحرقة قبل أن تسقط أرضا مغمى عليها، ربما ندما و"حسرة" على نهاية درامية غير متوقعة وفعل مشين لم يكن يخطر ببالها، أو بال شقيقتها "سكينة"، حين قررت، يوما، أن تتخذا من قتل الآخر/الغريب وسفك الدماء وطمر الجثث موردا للرزق والوجاهة الاجتماعية. لكن أبعد من الفعل الخطأ الذي يقود إلى الندم أو الحمق، يتحول قتل الأبناء من طرف آبائهم إلى فظاعة إنسانية حين يتخفى في عباءة "الإصرار والترصد" والعمل الإجرامي المتعمد بدوافع وأسباب مختلفة لن تكون، بالقطع والمطلق، مبررات لانتهاك حرمة قوانين الطبيعة والسعي، وهنا وجه المفارقة، إلى سرقة حياة طفل من طرف أب أو أم هما من سعيا إلى منحها له في يوم من الأيام.والأفظع أن يكون استدراج الأبناء إلى القتل البشع وبطرق غارقة في الماسوشية (الابن امتداد للذات بمعنى من المعاني) حالة عابرة للقارات، ولا تقتصر على مجتمع متخلف دون آخر متحضر، أو وسط متعلم وآخر غارق في وحل الأمية والجهل، أو أسرة ميسورة وأخرى تقتات على الكفاف.ومن هنا مصدر القلق الذي يجعل من كل الدراسات والأبحاث التي تناولت هذا الموضوع "تُعطي حمارها" مستسلمة إلى متاهات ومغارات إنسانية مظلمة يتداخل فيها العاطفي بالنفسي والاجتماعي، وحالات الاكتئاب الشديدة بالخوف والرعب والشك وشرود الذهن بالجنون، ما يجعلنا أمام حالة أشبه بالفوضى النفسية والقيمية والاجتماعية التي تدفع أما، مثلا، إلى رمي طفلها وسط طنجرة تفور سائلا مغليا، أو أب إلى إغراق النيام في بركة من "الدوليو"، قبل أن يرمي فوقهم عود الثقاب نفسه الذي أشعل به سيجارته الأخيرة...قبل الجنون.في سوريا، لن تمحو صور السفك والتنكيل حد المدافع بحماة ودرعة، حيث يواصل "الأب" بشار الأسد قتل أبنائه جملة وتفصيلا، مشاهد الأب الذي قذف فلذات كبده الأربع، مثل حبات حصى صغيرة، في بحيرة تشرين بشمال البلاد وجلس بجانبها يبكي بحرقة، أو الأب المصري الذي عمد، ذات صباح، إلى سيف قديم معلق على الجدار وخطا خطوات واثقة إلى حيث يرقد أبناؤه الثلاثة ومزقهم إربا إربا، وخرج بسيفه المسلول يقطر دما إلى جيرانه في حالة شرود متمتما بكلمات غير مفهومة.هذه القصص تشبه إلى حد كبير قصة الأم البريطانية التي رمت بطفليها من فوق جسر في أبريل من السنة الماضية، أو القصة الصادمة للمرأة اللبنانية التي قتلت، قبل سنة، أولادها الثلاثة بوجبة سلطة فواكه "مزينة" بسم الفئران، أو الجد الإسرائيلي الذي قتل حفيدته روز بيزام بطريقة بشعة وألقى جثتها في نهر اليركون.حالات إجرامية أدرجناها على سبيل المثال لا الحصر، وهي تشبه كثيرا عددا من السلوكات الشاذة التي وضعتها مجلة أمريكية اسمها «سايكولوجي تودي» تحت مجهر التحليل، قبل أن تخلص إلى أن الاكتئاب هو السبب الرئيسي في قتل الآباء لأبنائهم، إذ يجدون أن قتل الأبناء هو الحل «الأسهل» لكل مشاكل وجودهم في الحياة. وقد يحدث أن تتحول هذه الرغبة إلى قتل نفسي يومي للأبناء، وفي لحظة غياب مطلق للوعي تتحول إلى حوادث قتل جسدي متعمد هي أقرب إلى «المصيبة». يوسف الساكت