ثـــــورة الـــجــيــاع تهدف هذه الحلقات إلى استعراض تاريخ تأسيس «حزب الله» وتطوره منذ العام 1982 وحتى العام 2011، وكيفية تطور رؤيته الفكرية والثقافية وهيكلته التنظيمية وصولاً إلى اليوم، إذ أصبح لاعبا أساسيا في حلبة الصراع العربي الإسرائيلي وفي النظام اللبناني، بعد أن كان تنظيما سريا يحصر عمله في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وينأى بنفسه كليا عن لعبة السلطة. هذه الحلقات التي تعتمد على دراسة نشرتها جريدة “السفير” اللبنانية، تروم التعرف على السياق التاريخي لتطور بنية حزبية لبنانية صارت موضع استهداف دولي. في أبريل 1996 حصل عدوان إسرائيلي جديد على لبنان بعد انعقاد قمة شرم الشيخ لمحاربة الارهاب، سمي “عناقيد الغضب”. وكان الهدف منه توجيه ضربة قوية إلى “حزب الله” إذ استهدف مقر قيادته في بعلبك وحارة حريك، كما شملت العمليات مناطق أخرى في الجنوب والبقاع، مما أدى إلى استشهاد 200 مدني وسقوط مئات الجرحى، وارتكب الجيش الإسرائيلي مجزرة كبيرة بحق المدنيين في بلدة قانا مما أدى إلى بداية تحرك سياسي محلي وعربي ودولي لوقف الحرب بعد أن فشلت اسرائيل في تحقيق أهدافها. وتم التوصل إلى تفاهم لوقف النار سمي “تفاهم نيسان” وذلك برعاية أمريكية – فرنسية – سورية – إيرانية، ولعب الرئيس رفيق الحريري دورا هاما في التوصل إليه بفضل علاقاته الدولية.وشكل فشل العدوان انتصارا كبيرا للبنان و”حزب الله” ما أدى إلى تزايد دور المقاومة وشهد العام 1997 حدثين مهمين، الأول “عملية أنصارية” إذ نجح الحزب في نصب فخ لقوة إسرائيلية خاصة، ما أدى إلى مقتل عدد كبير من عناصرها، ومن ثم استشهاد نجل الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله (هادي) مع عدد من رفاقه مما ساهم في المزيد من الالتفاف اللبناني حول المقاومة، وعمد الحزب لإطلاق تشكيلات جديدة للمقاومة غير “حزب الله” وسميت “السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال”.وتصاعد بعد ذلك عمل المقاومة وحققت نجاحات هامة على المستوى الميداني، مما شكل بداية العد العكسي للانسحاب الإسرائيلي من لبنان في 2000.وواجه “حزب الله” في 1997، أحد أكبر التحديات الداخلية، فالشيخ صبحي الطفيلي أول أمين عام له، وبعد تنحيته في العام 1991، ورغم بقائه عضواً في شورى القرار حتى 1993، رفع بالتدريج لواء المعارضة لسياسات الحزب ومن بينها المشاركة في الانتخابات النيابية، متهماً قادة الحزب بالمساومة، ومنتقداً تعاونهم مع النظام السياسي اللبناني “الفاسد”.بدأ الطفيلي تحركه في 4 ماي 1997، وأعلن قيام حركته التي أطلق عليها اسم “ثورة الجياع”، وهدفها إسقاط النظام السياسي اللبناني عبر ثورة شعبية شكلت من خلال مواقفها ونزولها للشارع تحدياً واقعياً لـ”حزب الله”، وتداعى إلى الأذهان احتمال حدوث انقسام داخل الحزب. وفي يوم القدس العالمي في رمضان 1998 الذي اعتاد حزب الله على إحيائه في مدينة بعلبك ـ ساحة رأس العين بمراسم خاصة، أعلن الطفيلي عن إقامة المراسيم نفسها في المكان ذاته. فكان الإعلان كافياً للتعبير عن خروجه من الحزب، ما دفع قيادة الحزب إلى اتخاذ قرار بفصله بتاريخ 24 يناير 1998، والى إصدار بيان حول مواقفه وممارساته التي تكشف حسبما جاء في البيان “أن ما يقوم به ليس حركة مطلبية، بل سعيا إلى تقسيم الساحة وفرزها وفرض نفسه عليها بكل الوسائل المتوفرة لديه أياً تكن الخسائر والأضرار...”.كانت حركة الطفيلي في الواقع موجهة ضد قادة “حزب الله” قبل أن تكون موجهة ضد الحكومة اللبنانية، ورغم تأييد حزب الله لمطالب الطفيلي الاجتماعية، فإن قادة الحزب، لم يؤيدوا حركته، كما تفادوا الصدام معه. وسعوا إضافة إلى ذلك، عن طريق شخصيات شيعية مدنية ودينية إلى إزالة التوتر بينهم وبين الطفيلي، لكن هذا الأخير أصر على شعاراته، وكانت هذه الحركة بالنسبة إليه أهم مناسبة لاستعادة سلطته التي كان قد خسرها. ويوم عيد الفطر في 1999، أعلن الطفيلي إقامة مهرجان في حوزة “الإمام المنتظر” العلمية في مدينة بعلبك، وخلال المهرجان قامت عناصر من الحزب بمحاصرة الحوزة كما حاصر الجيش اللبناني الحوزة وجرت بين الفريقين صدامات عنيفة أدت إلى مقتل أحد ضباط الجيش اللبناني والشيخ خضر طليس، وغادر الطفيلي وأنصاره الحوزة بعد وقوع عدد من القتلى بين الفريقين، وهكذا فشلت حركة الطفيلي بعد أقل من عشرة أشهر من ولادتها. إعداد: جمال الخنوسي