المراسلات السرية للحكام الأولين اعتمدت الوسائل السمعية والمرئية نقلنا المؤرخ المغربي، الدكتور عبد الهادي التازي، في كتاب دونه على هامش موسوعته الشهيرة حول التاريخ الديبلوماسي للمغرب، إلى خبايا الخطاب بالإشارة في المراسلات المغربية التي لا تخلو من طرائف ومستملحات، وتجسد صلة الوصل بتراث يستعمله المغاربة في كافة مناحي حياتهم اليومية، ملتزمين بالمثل الذي وضعه أسلافهم منذ مئات السنين، والقائل "الحر بالغمزة والعبد بالدبزة"، وهو مثل "وقفت شخصيا على أنه لا يخص فقط المعاملات اليومية للأفراد، بين أفراد الأسرة الواحدة، والأصحاب، ولا المراسلات الأدبية الغنية بأمثلة الكلام المرموز، بل يشمل المجال السياسي، الذي يعد مرتعا خصبا للخطابات المشفرة". وترافق "الصباح"، على مدار حلقات، المؤرخ المغربي في عدد من المحطات التي حل بها في كتابه المعنون ب "الرموز السرية في المراسلات المغربية عبر التاريخ"، وتعرض خلالها إلى عدد من المراسلات المشفرة التي بعثها سلاطين وملوك المغرب إلى حلفائهم في جهات ودول مختلفة. لا تخلو مصادر التاريخ المغربي من إشارات تكشف اعتماد الملوك المغاربة أحيانا على لغتهم الخاصة ونحوهم الخاص رغم ما يروج عن صعوبة الوقوف على نماذج مفصلة لأساليب مشفرة، "فطبيعة المراسلة تقتضي الكتمان ما أمكن، إذ كان كل ملك يتخذ له طريقة خاصة به تختفي باختفائه، عملا بشعار كتاب الدولة "احرق ولا تمزق، فإن العدو قد يلفق"".وتتحدث المصادر القديمة عن أن الأسقف جيربير الذي أصبح سيلفستر الثاني، والذي كما يقال، كان ممن رحلوا إلى فاس ونقلوا عن المغرب الأرقام التي تسميها الموسوعات العالمية الأرقام العربية (الأرقام الغبارية)، كان يحتفظ بمذكرات مشفرة كتبت بحروف خاصة، تعود إلى عهد الفاطميين. كما أن سعة الرقعة التي هيمن عليها المرابطون، الذين كان لهم حضور وازن في جنوب أوروبا واختلطوا بعدد كبير من الصقالبة الذين انضموا إلى الجيش، وتوغلوا في تخوم القارة الإفريقية، واتصالات حكامهم ببلاط العباسيين في بغداد، نمى لدى حكامهم ضرورة استعمال مراسلات وخطابات لا يتمكن من فك شيفرتها إلا المقصود بها.وإذا كانت كتب التاريخ أوردت بعضا من المراسلات الإشارية، وتطرقت إلى البرقيات المشفرة التي "طيرها" يوسف بن تاشفين إلى ألفونس والمراسلات المشفرة التي جرت بين المرابطين والعباسيين حول إمكانية توحيد مداخل الشهور والأعوام، "فسبل التواصل المرموز، تمت أيضا عن طريق أشكال لا تعتمد على الكتابة، إذ تناقلت المصادر المغربية استعمال الطبول كوسيلة من وسائل الإعلام الخاص منذ عام 1062، فالطبول بمقاييسها وأحجامها وبالدلالات الخاصة لنقراتها ونبراتها كانت تترجم على شكل آخر من أشكال المخاطبات السرية، لا تقل عن المخاطبات المفتوحة بما تتوفر عليه من ضبط وإحكام كانا يقومان مقام النحو والصرف في المراسلات المكتوبة، فهناك النقرة التي تدعو إلى النفير والنقرة التي تأذن بالاستراحة، وأخرى تأذن بالحذر".أما عهد الموحدين، فتميز بظهور بعض الإشارات التي تؤكد وجود مثل تلك المراسلات، "ذلك أن ملول بن إبراهيم بن يحيى الصنهاجي، أحد كتاب المهدي بن تومرت، كان معروفا باطلاعه على الألسن، وكان يحب أن يكتب بالسريانية والرموزيات، ما أكد أن الدولة الموحدية كانت تستعمل التركيب السري في شؤونها، مما لا تريد الإطلاع عليه من قبل العامة، إذ بعد أن سحبت الدولة اعترافها ببلاط بني العباس، نشطت حركة الجواسيس، ولجأ الكتاب إلى اختراع أقلام خاصة من السريانيات والرموزيات".وفي إطار الحديث بالألغاز والرموز، نجد في توقيعات الملوك الموحدين ما يعبر عن سعة خيال وقوة تفكير، فقد كانوا يعبرون عن الكلام الطويل العريض بكلمة أشبه ما تكون ببرقية مختصرة، والدليل على ذلك، جواب يعقوب المنصور عندما كتب إليه ألفونس في كتابه الشهير يستدعيه فيه إلى القتال، الذي اقتصر على عبارة "الجواب ما ترى لا ما تسمع".وتظل الكتابات بالرموز والأشكال جانبا من جوانب ديوان الكتابة في دولة كل ملك من ملوك الدولة المغربية، تتنوع وتزدهر وتتغير أيضا، حسب الظروف والأشخاص. إنجاز: هجر المغلي