نـصـر الـلـه وبـدايـة المـواجـهـات تهدف هذه الحلقات إلى استعراض تاريخ تأسيس «حزب الله» وتطوره منذ العام 1982 وحتى العام 2011، وكيفية تطور رؤيته الفكرية والثقافية وهيكلته التنظيمية وصولاً إلى اليوم، إذ أصبح لاعبا أساسيا في حلبة الصراع العربي الإسرائيلي وفي النظام اللبناني، بعد أن كان تنظيما سريا يحصر عمله في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وينأى بنفسه كليا عن لعبة السلطة. هذه الحلقات التي تعتمد على دراسة نشرتها جريدة “السفير” اللبنانية، تروم التعرف على السياق التاريخي لتطور بنية حزبية لبنانية صارت موضع استهداف دولي. شهد لبنان ما بين العامين 1989 و1991 تطورات هامة أبرزها توقيع اتفاق الطائف وانتخاب إلياس الهراوي رئيسا للجمهورية، ومن ثم إنهاء الحالة الاعتراضية التي كان يتزعمها العماد ميشال عون بعد حرب الخليج الثانية وطرد الجيش العراقي من الكويت، فكان لهذه التطورات تأثير مباشر على وضع “حزب الله”.فعلى صعيد اتفاق الطائف، عمد “حزب الله” إلى إصدار دراسة خاصة قدّم فيها اعتراضه على الاتفاق والملاحظات التفصيلية عليه، لكنه لم يقم بأي عمل اعتراضي على الاتفاق وتعاطى معه كأمر واقع، سواء على الصعيد السياسي أو الأمني، وكان الحزب شهد هذه الفترة بدء التغييرات التنظيمية، فبعد المؤتمر الأول الذي كان عقده وانتخب خلاله أول أمين عام للحزب وهو الشيخ صبحي الطفيلي، عقد الحزب مؤتمرا ثانيا في 1991 انتخب بعده شورى (قيادة) جديدة، وتولى عباس الموسوي الأمانة العامة، إيذانا ببدء مرحلة سياسية جديدة تتمثل في الاهتمام بالشأن الداخلي، سواء على الصعيد السياسي والاجتماعي، وتولى الموسوي هذه المهمة إذ قام بسلسلة لقاءات مع الأحزاب والقيادات اللبنانية، كما قام بجولة على المناطق اللبنانية لدراسة احتياجاتها وهمومها. وشكلت سنة 1992 مفصلا مهما في وضع “حزب الله” بسبب استشهاد أمينه العام الثاني عباس الموسوي في 16 فبراير 1992 بعد مشاركته في احتفال الذكرى السنوية لاستشهاد الشيخ راغب حرب، في بلدة جبشيت، حيث قامت المروحيات الإسرائيلية بإطلاق الصواريخ على موكب الموسوي فقتلته مع زوجته أم ياسر ونجله الصغير حسين، وأدى استشهاد الموسوي وعائلته إلى تعاطف لبناني كبير مع الحزب، وعمدت قيادة الحزب إلى اختيار حسن نصر الله أمينا عاما ثالثا للحزب، فيما تراجع دور الشيخ صبحي الطفيلي، وبدأت تبرز بعض الخلافات في وجهات النظر داخل قيادة الحزب.وعندما قررت الحكومة اللبنانية إجراء الانتخابات النيابية في شهر غشت 1992، حصل نقاش موسع داخل قيادة الحزب بين المشاركة وعدمها، وكان الشيخ الطفيلي ضد هذه المشاركة، فيما كان معظم قياديي الحزب موافقين عليها وجرى الحصول على فتوى شرعية من ولي الفقيه علي الخامنئي الذي أجاز المشاركة في الانتخابات، فيما بقي الطفيلي ضدها آنذاك، رغم أنه لاحقا شارك فيها بعد انفصاله عن الحزب.وأدت الانتخابات إلى فوز مرشحي الحزب في البقاع والجنوب وبيروت وجبل لبنان وأصبح لدى الحزب كتلة نيابية من 12 نائبا ترأسها ابراهيم أمين السيد، وبدأت مرحلة جديدة من عمل الحزب على الصعيد السياسي والاجتماعي والداخلي.في 1993، حصل تطوران هامان في مسيرة الحزب، الحدث الأول تمثل في حرب يوليوز 1993 والتي سميت حرب الأيام السبعة، فبعد أن تصاعدت عمليات المقاومة شنت القوات الإسرائيلية حربا قاسية ضد “حزب الله” عبر الغارات الجوية وحاولت التقدم إلى بعض المناطق، لكن “حزب الله” نجح في الصمود ومواجهة الإسرائيليين، وانتهت الحرب بتفاهم غير مكتوب بين الحزب والقوات الإسرائيلية سمي “تفاهم يوليوز” أدى إلى وقف إطلاق صواريخ “الكاتيوشا” مقابل وقف الاعتداءات الإسرائيلية واستمرار عمليات المقاومة في منطقة الشريط المحتل، وساهم هذا التفاهم في إعطاء دفعة قوية إلى المقاومة الإسلامية. أما الحدث الثاني، فكان داخليا، فـ”حزب الله” لم يشارك في الحكومة التي شكلها الرئيس رفيق الحريري بعد الانتخابات النيابية وبدأت تبرز بعض الخلافات مع حكومة الحريري، إلى أن حصل اتفاق أوسلو في شتنبر 1993. فعمد الحزب مع بعض الأحزاب اللبنانية والفصائل الفلسطينية إلى الدعوة إلى مسيرة شعبية ضد الاتفاق.وفيما كانت المسيرة تنطلق من منطقة الغبيري، أطلق الجيش اللبناني النار على المتظاهرين مما أدى إلى استشهاد 13 متظاهرا وإصابة العشرات بجروح، مما أدى إلى أزمة سياسية كبيرة، لكن قيادة الحزب برئاسة حسن نصر الله حرصت على عدم القيام بردود فعل شعبية كبيرة وأبقت الاعتراض سياسيا، على قاعدة أن الأولوية للمقاومة لا للمعارك الداخلية. وتم تجاوز هذه المشكلة لاحقا من خلال تبني عائلات الشهداء رسميا وصدور بيان عن الحكومة يأسف لما حصل، مع أن وزير الداخلية آنذاك بشارة مرهج كان استقال من الحكومة احتجاجا على المجزرة. إعداد: جمال الخنوسي