"سر الكلام ترتابو ف كتابو" أبدع “شيوخ الكلام”، قصائد ملحونية رائعة بمعان مختلفة زخرفوها بشكل ميزها عن كل ألوان الشعر في عاميته وفصاحته، وتلاوين الغناء في إيقاعاته. وتستحق قصص تجاربهم، إبحارا وبحثا قد لا تكفي محدودية حلقاته، في محاولة نفتح أعين القارئ فيها، على حقائق مذهلة نترك إليه، اكتشافها. اشتد غضب سلطان بلاد الفرس، على تفريط زوجته في التاج/مهرها، فأخذ سيفه وفصل يدها عن جسدها وطردها من القصر والدم ما يزال ينزف ويتقاطر منها، إلى أن وصلت عند حكيم و”زفت” يدها. ومن حينها وهي تتجول بين الأوطان، ولسانها لا يفتر عن ذكر الله إلى أن وصلت مصر. في أرض الكنانة، كفلها سفاج مقابل العمل معه، إلى أن صادف مرور التاجر حمزة قرب الدكان، الفتاة وهي في لباس رثة، وحافية الرجلين، رغم جمالها الفتان، ليخطبها من السفاج ويتزوجها، إذ ظلت تذكر الله إلى أن أغمي عليها، ليلة دخلتها، لتكتشف رجوع يدها صباحا، بعد أن حلمت بالرسول.هذه القصة المنظومة شعريا، يوردها محمد السوسي، فنان الملحون، تنتهي بتأكيد حمزة أنه السائل الذي مكنته من التاج، لتتعاقب الأحداث وينجو السلطان بأعجوبة من هجومه على ملك التاتار، قبل أن يضيق به العيش ويلجأ إلى التسول، ويمر أمام باب قصر السعدية، في حالة مزرية. ويقول إن قصائد الملحون، تقتبس في عدة حالات من قصص معينة، كما الحال بالنسبة إلى “المعشوقة”، لكنه يلح على ضرورة احترام الكلمات والمعاني حين إنشاد أي قصيدة، ووفق أي قياس أو لحن أو لون غنائي معين، لقابلية الملحون، للتأقلم والتجديد والانصهار مع الألوان الموسيقية.وللبرهنة على أن “الملحون فراجتو فكلامو”، يورد قصة معلم دراز في درب الطويل بالمدينة العتيقة لفاس، سمعه شيخ وهو يغني قصيدة نظمها، قبل أن يقف ويكتشف أن الدراز “غير كيخربق الكلام”، ليتسلق سلاليم متجره متوجها إليه، قبل أن يطالبه بمقص من ذاك المستعمل في الدرازة.شرع الشيخ شاعر الملحون، في تقطيع “السدا” الموجود في “المرمة” المخصصة لصنع جلباب أو بطانية، ما أثار احتجاج الدراز الذي لم يفهم سر إقدام الشيخ على هذا الفعل خاصة بالنظر إلى الخسائرة التي تكبدها وهو الذي “الحايك للسوق والعشاء منو”، ليتجادلا ويقصدا الباشا للفصل بينهما. مد الشيخ يده إلى قفة كان يحملها، ونزع منها ورقة بها بضع أبيات شعر ملحون، ملتمسا من الباشا قراءتها، قبل أن يطلعه على حقيقة تزييف كلماتها ومعانيها من قبل الدراز، ليفهم سر تقطيع “السدا”، ويأمرها بالانصراف، لأن كل واحد منهما “قطع شغل الآخر”.ومن هنا قال شاعر الملحون، “لو كان الكلام المحتب (أي المحتسب) يحكم بحكام م كل حسبة، ما ينطق بيه غير حق شروط جوابو”، في إشارة واضحة إلى ضرورة احترام معاني وألفاظ الملحوظ ونطقها بشكل سليم، حتى لا تكشف عن غير معناها الحقيقي الموزون. ويحكي السوسي للبرهنة على انفعال أهل الملحون ورفضهم لكل خطأ، ما وقع ذات يوم لما اجتمع أشياخ هذا الفن في حفل، وكان بينهم منشد رائد وراقي ومشهور ومشكور، لكنه قال كلمة ونطقها بغير شكلها الأصلي، مرتكبا هفوة تطلب انسحاب زملائه واحتجاجهم عليه.كان المنشد وهو من فاس، يردد قصيدة “الكناوي” للشيخ التهامي المدغري، بين أهل المجمع، لكنه عوض أن يقول “القَرعة” (بنصب القاف)، نطق “القُرعة” (بضم القاف) كما وردت في القصيدة، ما أثار غضب هواة الملحون، الذي احتجوا على المنشد وانسحبوا من ذاك المجمع. وقال السوسي إن لهذه القصيدة، قصة طريفة التي يقول إنها وقعت في الخمسينات، آثر سرد جزء منها خاصة ما يتعلق بالعبد الذي تنافس حوله الراغبون في شرائه، دون أن يصلوا إلى أي اتفاق ما تطلب إجراء قرعة (بضم القاف)، ليظفر به أحدهم، مشيرا أن الإشارة يمكن أن تحرف المعنى.ويورد مقطعا من قصيدة للشيخ السدراتي، يقول في بيتها، “السر الكلام ترتابو ف كتابو. سيد الطالب هكذا كتب، زين يا سيدي، حروف الكتبة”، بمعنى ترك الكلام لأصحابه وتركه “أمانة” كما هو، مذكرا بحربتها القائلة “العاشق والهوا، مارينا غبو. والعاشق ديما بتغلب كيف يدير اللي ما رضا بالغلبة”. حميد الأبيض (فاس)