مدريد.. ساحات تستنسخ ثورة العرب لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة "ثورية" بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب. امتدت شرارة الحراك العربي إلى إسبانيا، إذ اندلعت بالعاصمة مدريد حركات احتجاجية أشبه بمظاهرات الدول العربية، ثم سرعان ما اعتصم الشباب بالساحات، حاملين لافتات تحدد مطالبهم.أطلق المحتجون في إسبانيا على احتجاجاتهم اسم "حركة 15 ماي" التي طالبت بإجراء استفتاء شعبي في 15 أكتوبر المقبل لتغيير النظام السياسي في إسبانيا، وواصلت الحركة مظاهراتها واحتجاجاتها في مختلف أنحاء البلاد بعد تنامي شعبيتها وفعالياتها وقدرة تنظيمها، سيما عقب نجاحها في حشد نحو 200 ألف في مظاهرات سلمية في 60 بلدة في يوم واحد.وتعددت مطالب "حركة 15 ماي"، إلا أنها توحدت في التنديد بالأوضاع السياسية والاقتصادية في إسبانيا، إذ اعترض المتظاهرون بشكل رئيسي على (الميثاق من أجل الأورو) الذي أقره البرلمان الأوربي والهادف إلى تنظيم السياسات الاقتصادية الأوربية في بوثقة واحدة تخترق سيادتها وحقوق مواطنيها عبر حزمة من الإجراءات الاقتصادية لخفض العجز في حساباتها وربط الأجور بالإنتاجية وتوحيد ضريبة الشركات في مجال الأورو في 27 بلدا المنضوية تحت راية الاتحاد الأوربي.وخرجت المظاهرات الحاشدة إلى ساحات إسبانيا دليلا على غضب الشعب الإسباني وأكبر تحد للقوانين والأنظمة السياسية، فضلا عن أنها دليل على مواصلة حركة (15 ماي) بفعالية بعد أن فضت اعتصامها في ساحات المدن الاسبانية منتصف يونيو الماضي بعد 28 يوما من الاعتصام. وحققت الحركة نجاحا كبيرا بعدد المنضمين إليها، إذ وصل عدد المتظاهرين 45 ألف مواطن في العاصمة مدريد وحدها محققة رقما قياسيا حطم الرقم القياسي السابق للعمال المتظاهرين في دجنبر سنة 2009 وهو 37 ألف شخص، وأكثر بكثير من عدد المتظاهرين في شتنبر الماضي، احتجاجا على سياسات الحكومة التقشفية وهم 18 ألف شخص.ولم يخف المتحدثون باسم الحركة، في تصريحات صحافية، دعوتهم إلى إضراب شامل أو استفتاء شعبي في 15 أكتوبر المقبل لتغيير النظام السياسي واتخاذ قرارات حول تحسين ظروف معيشة المواطنين وتوفير وظائف عمل للشباب وتعديل قانون الرهن العقاري والدعوة إلى مظاهرة عالمية في الخريف المقبل، في نسخ لمطالب الشارع العربي في مصر وتونس واليمن.وخرج آلاف المتظاهرين "الغاضبين" في مسيرات سلمية سيرا على الأقدام من مختلف مناطق اسبانيا لقطع مئات الكيلومترات على مدى 34 يوما والوقوف في كل بلدة ومدينة لمعرفة مطالب المواطنين وتعبئتهم سياسيا حتى الوصول الى العاصمة مدريد ،حيث احتلوا شوارع المدينة في احتجاج سلمي لساعات.وشهدت ساحة سول وسط العاصمة مدريد إقبالا كبيرا، وسعى المئات من الشباب الإسباني العاطل إلى الاعتصام بالساحة إلى حين تنظيم الانتخابات المحلية في إسبانيا ولكن مبادرة الشباب الإسباني فشلت أمام عصي قوات مكافحة الشغب . وذكر منظمون لهذا الاعتصام المدني بأنهم لن يغادروا ساحة سول، رغم الحصار الذي فرضته عليهم قوات مكافحة الشغب والذي أدى إلى إجهاض الاعتصام وتفرقة الشباب.وقال لويس غونثاليس الناطق الرسمي لحركة 15 ماي، أمام وسائل الإعلام إن الحركة الشبابية لا تنتمي إلى أي حزب سياسي أو إديولوجية معينة، وتم تنظيمها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مثل الفايس بوك والتويتر، وأضاف أن التنظيم يدعى "عريضة ديمقراطية الحيقيقة".ولم يخف الشباب الإسباني المعتصمين بأنهم تابعوا الثورات المطالبة بالتغيير التي شهدها الوطن العربي في تونس ومصر والبحرين واليمن. وقال أحدهم إن حركة 15 مايو تظاهرت في شوارع عدة مدن إسبانية لكن في الأخير اقتدينا بتجربة الشباب العربي والمتمثلة في غزو الميادين أو الساحات.ونصب شباب حركة 15 ماي خيمتهم ونظموا صفوفهم عبر أفواج للحراسة وأعضاء قائمون على تحضير البيانات والمنشورات في غرفة عمليات خاصة مقرها خيمة سول، وتهدف إلى بث ونشر كل انشغالات الشباب الإسباني الذي يعاني شبح البطالة وأرهقته ديون وفوائد البنوك الإسبانية. خالد العطاوي