جمال ينهي حكم آل مبارك تقول الحكاية العربية، إن قوما كانت لهم عنزة تسمى «براقش»، وفي يوم أرادوا أن يذبحوها فلم يجدوا سكينا، فأخذت العنزة تفحص بحافريها في الأرض، حتى عثر القوم على السكين مدفونة، بعد أن أزاحت العنزة عنها التراب، فأخذوها وذبحوها فورا... فقيل «على نفسها جنت براقش». هذه الحكاية تصلح لتوصيف ما يجري في المنطقة العربية اليوم، فالشعوب التي ذاقت العذاب واصطبرت عليه، انتظرت إلى أن تجني الأنظمة على نفسها، بكثرة الفساد وحكم الأزواج والأولاد، والسعي إلى توريثهم، قبل أن تنتفض مطالبة بإسقاط النظام، في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن... الجمهوريات العربية، التي يفترض أنها تستند إلى شرعية صناديق الاقتراع، وإن بنسب الديكتاتوريات 99.99 في المائة، سرعان ما أشهرت أسلحتها في وجه شعوبها وحولت فوهات المدافع لتكميم أفواهها، وفي هذه اللحظة، بالذات، سقط النظام.. قبل خطاب التنحي، وقعت كثير من الأحداث في زمن قصير، لم يكن ليحتمل كل هذه الوقائع، فقد خرجت عائلة الرئيس قبل انتهاء صلاة الجمعة، من قصر العروبة على طائرتي هليوكوبتر، الأولى عليها الرئيس وسكرتيره الخاص، والثانية تحمل حراسه ومرافقيه، بحراسة 4 أفراد من القوات الخاصة، وفور أن حطت الطائرة في مطار شرم الشيخ، نقلت سيارة مرسيدس مبارك إلى مقر إقامته في حراسة الحرس الجمهوري والقوات المسلحة، ذهب مبارك إلى مكانه المفضل، لكنه لم يجد به أحدا من الأصدقاء الذين كانوا يهرولون إليه كلما انتقل إلى المنتجع، فقد كان كثير منهم يحاول الفرار خارج مصر. كانت هناك طائرة أخرى بعد طائرة الرئيس عليها علاء مبارك وزوجته وابنه عمر، بالإضافة إلى خديجة الجمال زوجة جمال وفريدة ابنتهما، وبعدها بساعات سافرت سوزان مبارك على طائرة خاصة. وبين رحيل مبارك ومغادرته السلطة تسارعت الأحداث، إذ كشفت صحيفة «الأخبار» المصرية، أن ملاسنات حادة نشبت بين جمال وعلاء نجلي الرئيس المصري السابق حسني مبارك داخل القصر الرئاسي عقب تسجيل مبارك لخطابه لما قبل إعلان التنحي، إذ احتج علاء مبارك على شقيقه الأكبر جمال مبارك، واتهمه بأنه كان السبب الرئيسي في ما جرى في مصر من أحداث أجبرت والدهما على أن يظهر في تلك الصورة والنهاية التي لا تليق به. قال علاء لشقيقة: «لقد أفسدت البلد عندما فتحت الطريق أمام أصحابك وهذه هي النتيجة بدل تكريم أبيك في نهاية حياته ساعدت على تشويه صورته على هذا النحو». وكاد يحدث اشتباك بينهما بالأيدي وزاد انفعال علاء بعد أن استمع لكلمة والده إلى الشعب أثناء تسجيلها خاصة أن الرئيس مبارك كان قد أشار في تسجيله الأول، الذي يقال إنه تراجع عن إيذاعه، إلى أنه سيسلم سلطاته المدنية إلى نائبة اللواء عمر سليمان وسلطاته العسكرية إلى القوات المسلحة. وهذا ما كانت تعلمه الإدارة الأمريكية قبل تعديل الخطاب، وتناقلت عواصم دبلوماسية خبر التنحي قبل أن يتراجع الرئيس نفسه. جمال مبارك، جنى على آل مبارك، ونقلت مصادر إعلامية أن خلافا شديدا وقع بين مبارك ونجله جمال، إذ قال له الوالد بالحرف الواحد :أنت ورّطتني، أنت وأمك، لقد قضيتما على تاريخي في مصر»، حينها كانت سوزان، زوجة الرئيس، تشرف على جمع أغراض زوجها الشخصية، وكلفت خادمتين خاصتين بها، وتنتميان إلى إحدى دول المغرب العربي بالتعجيل في جمع المقتنيات الشخصية للرئيس والتي تضم هدايا قيمة وثمينة تلقاها الرئيس وزوجته من ملوك ورؤساء دول عربية وأجنبية، وذلك في ثماني حقائب كاملة»، بالمقابل بدا مبارك «في حالة نفسية يرثى لها، وبعدها اجتمعت الأسرة بأكملها وغادروا القصر في ثلاث سيارات، متوجهين إلى مطار «ألماظة» القريب من القصر، حيث توجهوا إلى شرم الشيخ»، بينما بقي مطلب الرئيس المخلوع من رجال المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن يحفظوا له خروجا كريما من الحكم.نهاية مبارك كانت أسرع مما توقع الجميع، وساهمت في ذلك الأجهزة الأمنية، التي ظلت تصور له احتجاج الشارع على أن مجرد مظاهرات تحت السيطرة وأنها بضعة آلاف، لكن حين نزل الجيش إلى الشارع هاله ما يجري، وسارع إلى نقل الصورة الحقيقية إلى الرئيس مبارك، وعجل برحيله من السلطة حتى يخلو للجيش ميدان التحرير، غير أن الميدان تحول إلى اليوم إلى رمز للاحتجاج وإرادة الشعب في جر المسؤولين إلى القضاء وعدم الإفلات من العقاب الدنيوي. إعداد: إحسان الحافظي