الإعـلان عـن مـيـلاد حـزب اللـه تهدف هذه الحلقات إلى استعراض تاريخ تأسيس «حزب الله» وتطوره منذ العام 1982 وحتى العام 2011، وكيفية تطور رؤيته الفكرية والثقافية وهيكلته التنظيمية وصولاً إلى اليوم، إذ أصبح لاعبا أساسيا في حلبة الصراع العربي الإسرائيلي وفي النظام اللبناني، بعد أن كان تنظيما سريا يحصر عمله في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وينأى بنفسه كليا عن لعبة السلطة. هذه الحلقات التي تعتمد على دراسة نشرتها جريدة “السفير” اللبنانية، تروم التعرف على السياق التاريخي لتطور بنية حزبية لبنانية صارت موضع استهداف دولي. في 16 فبراير 1985، وبمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الشيخ راغب حرب، ومع بدء الانسحاب الإسرائيلي من قسم كبير من جنوب لبنان، أُعلن عن تنظيم “حزب الله” في مؤتمر صحافي تحدث فيه الناطق الرسمي باسم الحزب العلامة إبراهيم الأمين (أصبح لاحقاً رئيس الكتلة النيابية وتم كشف اسمه الصحيح إبراهيم أمين السيد) وأعلن فيه وثيقة الحزب السياسية باسم “الرسالة المفتوحة”.وشكل هذا الإعلان البداية العلنية للحزب، وتضمنت الرسالة المفتوحة أهم المبادئ التي يؤمن بها. ومما جاء في هذه الرسالة “نحن في لبنان لسنا حزباً تنظيمياً مغلقاً ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً، بل نحن أمة ترتبط مع المسلمين في أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام”...و”أن الحد الأدنى الذي يمكن أن نقبل به على طريق تحقيق هذا الطموح هو إنقاذ لبنان من التبعية للغرب أو للشرق وطرد الاحتلال الصهيوني من أراضيه نهائياً. واعتماد نظام يقرره الشعب بمحض اختياراته وحريته”... وعلى المستوى التنظيمي تم تشكيل “شورى” تتولى قيادة العمل السياسي والتنظيمي إضافة إلى عمليات المقاومة. وبدأ الحزب يعلن عن قيادييه ومسؤوليه علنا، بعد أن كان يعتمد الجانب السري. ورغم أن وسائل الإعلام المحلية والغربية آنذاك كانت تركز على الدور الذي يقوم به العلامة السيد محمد حسين فضل الله، وتصفه بأنه المرشد الروحي لـ”حزب الله”، فإن السيد فضل الله أعلن مراراً أنه ليس له أي دور تنظيمي في الحزب مع أن العديد من قيادات الحزب درسوا عنده.وبعد حصول سلسلة عمليات تفجيرية وخطف للرهائن والعمليات التي استهدفت القوات الأميركية والفرنسية، جرت محاولة لاغتيال فضل الله من قبل مجموعة مرتبطة بالمخابرات الأمريكية باعتراف مسؤولين أمريكيين في 8 مارس 1985، لكن فضل الله نجا من العملية، التي أدت إلى استشهاد وجرح المئات من المواطنين.وتصاعد دور “حزب الله” السياسي والشعبي والعسكري، مما أدى إلى حصول بعض الصدامات بينه وبين قوى حزبية لبنانية وخصوصاً الحزب الشيوعي اللبناني والحزب القومي السوري الاجتماعي ولكن الصدام الأكبر كان مع حركة “أمل”.وبدأ الخلاف يبرز بين حركة “أمل” و”حزب الله” بسبب الموقف من “حرب المخيمات” الفلسطينية التي بدأت في 1985، فحركة “أمل” شنت حرباً قاسية ضد المخيمات الفلسطينية رفض الحزب المشاركة فيها لأنها لا تنسجم مع مواقفه وطروحاته، كما تعزز الخلاف بسبب الموقف من القرار 425، إذ أن الحزب كان يعتبر أن هذا القرار لن يحرر الجنوب، في حين أن الحركة كانت تعتبره إحدى الوسائل لتحرير الجنوب إلى جانب المقاومة. أما الأسباب العميقة للخلاف فكانت تعود إلى ارتباط “أمل” بسوريا وارتباط “حزب الله” بإيران. وبروز بعض التباينات في مواقف البلدين من التطورات في لبنان وقضية الصراع العربي الإسرائيلي، إضافة إلى الصراع على النفوذ، فحركة “أمل” كانت تعتبر أنها صاحبة القرار في الجنوب والضاحية الجنوبية، في حين أن الحزب كان يعتبر أن من حقه التحرك والنشاط خصوصاً على صعيد العمليات العسكرية بدون العودة إلى الحركة وقيادتها. وحصلت العديد من المناوشات والمشاكل في بعض المناطق، لكن كان يتم تجاوزها، إلى أن حصلت مشكلة في منطقة النبطية قرب بلدة حاروف حيث عمد حاجز لحركة “أمل” إلى إيقاف سيارة دبلوماسية إيرانية، واعتراض المرافقين. وبدأت الاشتباكات، فقررت حركة “أمل” تجريد مقاتلي الحزب في الجنوب من السلاح في كل المناطق باستثناء منطقة إقليم التفاح. وبالمقابل عمد “حزب الله” إلى طرد مقاتلي الحركة من معظم مناطق الضاحية الجنوبية باستثناء الشياح. واستمرت المعارك والاشتباكات بين الطرفين لمدة سنتين إلى أن نجحت الجهود السورية - الإيرانية في التوصل إلى اتفاق بين الطرفين في 9 نونبر 1990 يسمح بعودة الحزب إلى الجنوب، وعودة حركة “أمل” إلى الضاحية الجنوبية. إعداد: جمال الخنوسي