حياة 6 ملايين مسلم تغيرت جذريا الإسلام في أمريكا من أسرع الديانات انتشارا، إذ يوجد أكثر من ستة ملايين مسلم في الولايات المتحدة يعيشون كلهم في ظل أحداث حادي عشر شتنبر. ففي أعقاب تلك الأحداث أصبح أغلب الناس في أمريكا يعتنقون وجهة نظر واضحة: المسلمون إرهابيون، والإسلام دين عنف، والمسلمون متأخرون يشعرون برغبة في الانتقام من الغرب. وهكذا أصبح إيجاد هوية أمريكية إسلامية متميزة أكثر إلحاحا عما كان في الماضي، فبعد أحداث حادي عشر شتنبر أصبح المسلمون في وضع دفاع عن النفس، بينما كان آخرون يحددون بصورة مستمرة هويتهم وديانتهم، فبالنسبة إلى العديد من المسلمين أصبح حادي عشر شتنبر صيحة استيقاظ: إما أن يعتنقوا ويشرحوا معنى العقيدة الحقيقية أو ينضموا إلى التفجيرات الانتحارية في قطاع غزة أو المقاتلين في شوارع بغداد.وهذه الحلقات من كتاب «مكة والاتجاه العام... حياة المسلمين في أمريكا بعد حادي عشر شتنبر»، يعتبر رحلة شخصية لجنيف عبده، وهي مؤلفة وصحافية أمريكية عربية مشهورة أفاقت في حادي عشر شتنبر على هوية جديدة فرضت عليها، بصبغة عربية أكثر وأمريكية أقل. الكتاب ينظر إلى حياة المسلمين نظرة تختلف تماما عن التخيلات والشخصيات النمطية، والإكلشيهات التي تسيطر على الخيال الأمريكي، والذي نورد منه الحلقات التالية: عندما فكرت في تأليف كتاب «مكة والاتجاه العام: حياة المسلمين في أمريكا بعد حادي عشر شتنبر»، لأول مرة، في الأيام التي أعقبت أحداث هذا اليوم من شتنبر سنة 2001 تنازعتني الكثير من المشاعر المختلفة، وقد تحول تناقض مشاعري إلى يقين في عصر يوم شديد البرودة في سنة 2003، بينما كنت أتجول في أحد أحياء سان فرانسيسكو مع معد أبو غزالة. لقد كان معد يخوض معركة لشغل مقعد في الكونغرس الأمريكي، وتساءلت عما إذا كان من الممكن أن أصحبه في حملته من بيت إلى آخر. لقد أردت معرفة كيف يكون رد فعل أكثر مدن أمريكا تحررا تجاه مسلم عربي يسعى إلى الحصول على منصب عام. ولم أكن قد زرت سان فرانسيسكو حتى ذلك اليوم، ولكني كنت أتوقع شكلا نمطيا لمدينة ذات مواطنين منفتحين ومتسامحين. ومن المؤكد أن ينطبق هذا الفكر المستنير على معد، سيما أن ملامحه لم تكن تشير إلى أنه عربي، وكان بلون بشرته الفاتح وعينيه الخضراوين وشعره البني، يبدو إيطاليا أو يونانيا أو فرنسيا.وكان الحي يطل على خليج سان فرانسيسكو ويتيح للسكان منظرا ساحرا للمياه الزرقاء العميقة الصافية، وعندما صعدنا إلى أول مجموعة من المنازل وقرعنا أجراس الأبواب، كان يبدو أنه لا يوجد أحد بالمنزل. ولكن بعد دقائق، وجدنا أول زوجين يرحبان بفتح الباب لتبادل الحديث.وقال معد للزوجين «أهلا»، اسمي معد أبوغزالة وأنا مرشح للكونغرس عن هذا الحي»، ومد يده عبر الباب الأمامي ليقدم إليهما كتيب برنامجه الانتخابي. وقد أعقب ذلك لحظات قليلة من الصمت، ثم تحدث الرجل دون روية وكأنما لم يكن معد واقفا أمامه، «بهذا الاسم، ليس لدى هذا الشخص أي فرصة للفوز. معد أبو غزالة. مستحيل».وبينما كنت أحاول أن أخفي دهشتي الشديدة، لم يتراجع معد. كان من الواضح أنه اعتاد على هذا النوع من رد الفعل، وأجاب بنبرة خالية من التعبير «لقد ولدت في فلسطين، وأعيش في سان فرانسيسكو وتخرجت من نوتردام، وأنا مرشح للكونغرس لأنني مهتم بسياستنا الخارجية».وحاولت المرأة أن تخفف من حدة ملاحظة زوجها وقالت لمعد «نحن نحتاج لمعرفة آرائك، لأن كثيرا من الناس سينظرون إلى اسمك ويقولون نحن لا نريد أن نسير في هذا الاتجاه».لم يكن رأي معد ذا أهمية، لقد كان ضد حرب العراق ويحبذ عودة الجنود إلى وطنهم، وهي وجهات النظر التي قال الزوجان إنهما يشاركانه فيه، ولكن من الواضح أن ذلك لم يكن كافيا بالنسبة إليهما.وأثناء متابعتنا السير في ذلك الشارع، كنت أتعجب من السبب الذي جعل معد يعرض نفسه لهذا الإذلال غير الضروري، لقد استعصى ذلك على فهمي، فقد كان محاميا ناجحا ولا داعي إلى أن يعرض نفسه للتعصب الأعمى والجهل. وتابعنا جولتنا، ولكن لم نحقق نجاحا يذكر في إقناع الناخبين أن معد يمكن أن يمثلهم في الكونغرس ولم يأت رد فعل إيجابي إلا من شخص واحد. لقد شعرت بالحاجة لإنهاء هذه الحملة بسبب برودة الجو والبرود الإنساني الذي أبداه أهالي سان فرانسيسكو، الذين كنت أحسبهم من ذوي الفكر الحر وقد وافق معد على مضض، بعد أن زرنا جميع المنازل تقريبا في ذلك الشارع. وقد انتابني فضول لمعرفة شعوره، ولكننا لم نكن قد تقابلنا قبل هذا الصباح، مما جعلني غير مرتاحة لتوجيه أسئلة شخصية إليه. وقد قمت بتوجيه سؤالي برفق: «هل تعتقد يا معد أنك ستستمر في هذه الحملة؟ هل تظن أنك تتصرف التصرف السليم؟».فابتسم قليلا ثم قال «لقد حصلت على صوت واحد ومازال أمامي مائة ألف صوت يجب أن أحصل عليها»، مشيرا إلى رد الفعل الإيجابي الوحيد. أنا لم أرشح نفسي لكي أفوز، لقد رشحت نفسي حتى تتاح الفرصة للجيل التالي من المسلمين». وقد أدركت في ما بعد في ذلك اليوم بعد إقلاع الطائرة من سان فرانسيسكو، أنه يجب توثيق الخبرات الإسلامية الأمريكية المعاصرة، لقد تغيرت حياة ستة ملايين مسلم في أمريكا تغيرا جذريا ولكن لأن أمريكا كانت تركز على المسلمين الذين يعيشون في كل مكان آخر تقريبا، في أفغانستان والعراق وإيران وسوريا وباكستان، فإن قصة التغيير الذي طرأ على حياتهم لم تلق الاهتمام الكافي. إعداد: أمينة كندي