"ويكيليكس" يشتكي سطوة نجل مبارك تقول الحكاية العربية، إن قوما كانت لهم عنزة تسمى «براقش»، وفي يوم أرادوا أن يذبحوها فلم يجدوا سكينا، فأخذت العنزة تفحص بحافريها في الأرض، حتى عثر القوم على السكين مدفونة، بعد أن أزاحت العنزة عنها التراب، فأخذوها وذبحوها فورا... فقيل «على نفسها جنت براقش». هذه الحكاية تصلح لتوصيف ما يجري في المنطقة العربية اليوم، فالشعوب التي ذاقت العذاب واصطبرت عليه، انتظرت إلى أن تجني الأنظمة على نفسها، بكثرة الفساد وحكم الأزواج والأولاد، والسعي إلى توريثهم، قبل أن تنتفض مطالبة بإسقاط النظام، في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن... الجمهوريات العربية، التي يفترض أنها تستند إلى شرعية صناديق الاقتراع، وإن بنسب الديكتاتوريات 99.99 في المائة، سرعان ما أشهرت أسلحتها في وجه شعوبها وحولت فوهات المدافع لتكميم أفواهها، وفي هذه اللحظة، بالذات، سقط النظام.. لا أحد تخيل أن تكون نهاية الرئيس حسني مبارك بهذه المأساوية، فإلى حين فرار الرئيس التونسي زين العابدين بنعلي، خرجت قيادات الحزب الوطني، تسخر من الموقف وتقول إن مصر ليست هي تونس، لكن الذي حدث كان عكس التوقعات تماما، والسبب سطو نجل الرئيس، جمال مبارك، على سدة الحزب وتحكمه في دواليب السلطة في مصر. فقد جنى نجل الرئيس على النظام بأكمله، وفي طريقه إلى السلطة عجل بسجن أبيه وأخيه والتشهير بأفراد أسرته وبتاريخ الرئيس مبارك نفسه، فقد كانت النهاية كابوسا أيقظ جمال مبارك من الحلم بالسلطة في مصر.تقول وثائق "ويكيليكس"، إن الرئيس الحالي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية المشير محمد حسين طنطاوي، كان مستاء وغاضبًا للغاية من جمال مبارك واحتمال خلافته لوالده، وأنه لا يستبعد التحرك لتصحيح الأوضاع في حالة غياب مبارك. ونقلت "القدس العربي" عن برقية دبلوماسية أمريكية يعود تاريخها إلى أبريل 2007، أن برلمانيا مصريا بارزا قال للأمريكيين إن جمال الذي يحتمل أن يخلف والده يرى في كل من وزير الدفاع المشير طنطاوي، ومدير اﻟﻤﺨابرات عمر سليمان، تهديدا لبلوغه هدفه في الرئاسة، كما أكد أن طنطاوي قال له بصورة شخصية إنه في حالة استياء متزايد من جمال، مشيرا إلى أن هذه تفاصيل وردت في اجتماع بين نائب مصري ومسؤولين بالسفارة الأمريكية بالقاهرة.والمسؤول المصري حذر الأمريكيين من ازدياد ثقة جمال ومجموعته بأن الأمور ستسير وفق هواهم ومخططاتهم بعد التعديلات الدستورية التي أقرت في مارس 2007، ويعتقد أنها أتت لتمهد الأرض وتعد الرأي العام لخلافة جمال، وأنه سيعمل على إزالة العوائق التي تعترض طريق رئاسته، في إشارة إلى المشير طنطاوى واللواء عمر سليمان. وتقول البرقية إن المتحدث البرلماني أشار إلى أن طنطاوي قال له: إنه لم يعد يستطيع احتمال فساد جمال وحاشيته ولا يستطيع تحمل ما حدث في البلاد وما يمكن أن يحدث بها.بالمقابل، رأى محيط النظام المصري، أن تعيين رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عمر سليمان نائبا لرئيس الجمهورية، بعد اندلاع الاحتجاجات في ميدان التحرير، جاء ليضع حدا لطموحات جمال مبارك في خلافة والده، غير أن تغيير الأشخاص لم يكن كافيا بالنسبة إلى المتظاهرين المطالبين بإسقاط النظام. ونقلت مواقع مصرية، تابعت الأحداث، أنه مع تعيين عسكري آخر هو الفريق أحمد شفيق رئيسا للوزراء سعى مبارك إلى محاولة إضفاء حالة من الحزم على قدرته على الحافظ على نظامه، لكن ذلك جاء متأخرا. إذ أنه ورغم إعلان هذه التعيينات ودعوة الجيش إلى حفظ النظام مع تواري الشرطة، استمرت الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة، وتزايد تحدي المتظاهرين بسقوط القتلى، في هذه الأثناء، تقول الرواية، رفض الجيش اقتراحا بنزول الأمن المركزي تحت حمايته لمواجهة الحشود. في هذه الأثناء، لم تكن هناك فرصة أخرى أو اختيار آخر، ووفقا للمعلومات فقد تم حسم قرار التنحي، بعد المظاهرات التي زحفت إلى قصر العروبة، لكن القرار تم تأجيله، حين رفض الرئيس المخلوع، حسني مبارك تسجيل خطاب التنحي، وأحال الأمر إلى عمر سليمان، ورغم أن القرار تم اتخاذه مبكرا، تم الاستقرار على إذاعته بعد أن يكون مبارك والعائلة حطوا في شرم الشيخ، وقبل الرحيل كانت حرائق كبيرة تشب في أوراق في القصر، لا يعرف أحد مدى طبيعتها، وما تحتويه من أسرار، وما إذا كانت خاصة بالعائلة أو بأمور سياسية سارت عليها الدولة طيلة ثلاثين عاما مضت من عمر مصر.إعداد: إحسان الحافظي